حين يولد المسؤول من رحم الأحزاب ولا يولد من رحم الشعب .

حسين صادق17 أغسطس 2026آخر تحديث :
حين يولد المسؤول من رحم الأحزاب ولا يولد من رحم الشعب .

حين يولد المسؤول من رحم الأحزاب ولا يولد من رحم الشعب .

ثائر الموسوي …

 

في العراق، لم تعد المشكلة في تغيير الأشخاص بقدر ما أصبحت في طريقة صناعة المسؤول.

فحين يولد المسؤول من رحم حزب سياسي، ويصل إلى منصبه بفضل ولائه لهذا الحزب لا بفضل كفاءته واستقلاليته، يصبح في كثير من الأحيان مديناً لمن أوصله أكثر من كونه مديناً للشعب الذي يفترض أن يخدمه. وهنا تبدأ الكارثة: يتحول المنصب من مسؤولية وطنية إلى مكافأة سياسية، وتتحول الدولة من مؤسسة لخدمة المواطن إلى مساحة لتقاسم النفوذ والمصالح.

الدستور العراقي واضح في أن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها، وأن السلطات الاتحادية تمارس اختصاصاتها على أساس الفصل بينها، كما أن مجلس النواب يمتلك صلاحية الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وتكون مسؤولية رئيس الوزراء والوزراء أمامه تضامنية وشخصية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يحدث عندما تكون ولاءات المسؤول السياسية أقوى من ولائه للدولة؟

هنا يصبح المسؤول حذراً في اتخاذ القرار، يخشى إغضاب الجهة التي جاءت به، ويحسب حساب الحزب قبل حساب المواطن، وقد يجد نفسه مضطراً إلى تنفيذ إرادة من رشحه حتى لو تعارضت مع المصلحة العامة.

وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية؛ فقد أشارت دراسات عن العراق إلى أن الأحزاب السياسية بعد عام 2003 تمكنت من التأثير في مؤسسات الدولة وتعيين شخصيات في مواقع عليا على أساس الولاء السياسي، الأمر الذي أضعف استقلالية المؤسسات وأصبح أحد عوائق الإصلاح.

المسؤول الحقيقي لا يولد من رحم الحزب، بل من رحم الدولة.

ولا أقصد هنا أن يكون المسؤول بلا تاريخ سياسي أو أن الانتماء الحزبي بحد ذاته جريمة؛ فالدستور يكفل حرية تأسيس الأحزاب والانضمام إليها. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب هو الذي يمنح المسؤول شرعيته الفعلية، وعندما يصبح المنصب العام وسيلة لخدمة الحزب بدلاً من خدمة العراق.

العراق لا يحتاج إلى مسؤول يسأل: ماذا تريد مني الجهة التي أوصلتني؟

العراق يحتاج إلى مسؤول يسأل: ماذا يريد مني العراق؟ وماذا يحتاج المواطن؟

نحتاج إلى وزير يستطيع أن يقول «لا» عندما تكون كلمة «نعم» خيانة للمصلحة العامة، وإلى محافظ لا يرى المواطن تابعاً لحزب، وإلى مدير عام لا يخشى فقدان منصبه لأنه رفض تمرير صفقة، وإلى مسؤول تكون مرجعيته القانون والدستور والضمير، لا الهاتف الحزبي.

فالمنصب ليس جائزة، والوزارة ليست غنيمة، والدولة ليست شركة أسهم تتقاسمها القوى السياسية.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد هو أن يصبح الموظف خائفاً من حزبه أكثر من خوفه من القانون، وأن يصبح المسؤول حريصاً على رضا من عيّنه أكثر من حرصه على رضا الشعب.

إذا أردنا عراقاً مستقراً، فعلينا أن نغيّر طريقة إنتاج المسؤول قبل أن نطالب بتغيير نتائج عمله.

فالمسؤول الذي عاش معاناة الناس، وعرف معنى انقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، والبطالة، ورداءة الخدمات، وطوابير المستشفيات، وصعوبة الحصول على فرصة عمل، سيكون أقرب إلى فهم المواطن من مسؤول عاش بعيداً عن كل هذه المعاناة ثم وجد نفسه فجأة في أعلى هرم السلطة.

إن استقرار العراق لن يتحقق بمجرد تغيير الوجوه، ولا بتبديل وزير بوزير، ولا بحكومة جديدة تحمل العناوين نفسها.

الاستقرار يبدأ عندما يصبح معيار اختيار المسؤول: الكفاءة والنزاهة والوطنية، لا الولاء والمحاصصة والعلاقات.

فإذا كان المسؤول ابن الدولة، فسيدافع عن الدولة.

وإذا كان ابن الحزب قبل أن يكون ابن الوطن، فسيبقى ولاؤه الأول لمن أوصله إلى الكرسي.

ولهذا أقولها بصراحة:

إن لم يولد المسؤول من رحم معاناة الشعب، ومن رحم الكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية الوطنية، فلن يستطيع أن يبني دولة يشعر المواطن أنها دولته.

العراق لا يحتاج إلى مسؤولين يخافون من فقدان مناصبهم؛

العراق يحتاج إلى مسؤولين يخافون من فقدان وطنهم.

وعندما يصبح العراق أولاً، والدستور فوق الجميع، والقانون فوق الأحزاب، والمواطن فوق المصالح السياسية، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن دولة حقيقية، وعن استقرار حقيقي، وعن مستقبل يليق بهذا الشعب.

أما استمرار صناعة المسؤول وفق الولاء السياسي، فسيبقي الدولة أسيرةً لمن يصنعون المناصب، وسيبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

المشكلة ليست في الكرسي… المشكلة فيمن يصنع الجالس عليه، ولمن يكون مديناً بعد أن يجلس.

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق