الاقتصاد الريعي ينتظر الصدمة !
د. حسن جمعة
تجاوز الدين الداخلي للعراق عتبة المئة وستة تريليونات دينار وفق أحدث بيانات البنك المركزي ليس مجرد رقم كئيب يضاف إلى سجلات المالية العامة بل هو إشارة خطر داكنة تعكس حجم الانكشاف الهيكلي الذي يعانيه الاقتصاد العراقي الريعي ومؤشر صريحعلى انحراف مسارات إدارة المال العام نحو حلول رفو الأزمات المؤقتة على حساب الاستدامة الشاملة..إن الاعتماد المفرط والجامح على مبيعات النفط الخام لتمويل الموازنة الاتحادية جعل الدولة برمتها تحت رحمة التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية وعندما تصطدم هذه الهشاشة بمتطلبات إنفاق تشغيلي هائل وتضخم سرطاني في الفاتورة الحكومية تسارع السلطات إلى استنزاف السيولة المحلية عبر الاقتراض الداخلي المستمر لتغطية العجز التراكمي دون أن تنعكس هذه الأموال المقترضة على أي بنية تحتية أو مشاريع إنتاجية تولد قيمة مضافة .. هذا التكتيك المالي الحرج يمارس ضغطا على النظام المصرفي العراقي حيث تتركز أموال البنوك والمؤسسات المالية في شراء السندات والحوالات الحكومية طلبا للأمان والريع المضمون بدلا من ضخها كائتمان حيوي في شرايين القطاع الخاص والمشاريع التنموية مما أدى إلى جفاف السيولة الاستثمارية وتجميد قدرة الاقتصاد المحلي على النمو الخلاق وخلق فرص العمل المستدامة .. تتجلى الخطورة الكبرى لهذا المنزلق في كون الدين الداخلي قد تجاوز حدود المناورة الآمنة وبات يشكل مع تدفقات خدمة الدين عبئا ثقيلا يزاحم النفقات الأساسية للدولة ويضع الاستقرار النقدي في مواجهة اختبارات صعبة ففي حال حدوث أي هبوط مفاجئ في أسعار النفط العالمية ستجد الخزينة العامة نفسها عاجزة عن التوفيق بين سداد أقساط الديون ووفاء الالتزامات الاجتماعية والتشغيلية الحاكمة.. إن استمرار هذا المسار دون كوابح جادة يعمق حالة الاتكالية الريعية ويجعل الدولة رهينة لدوامة فرغ صندوق ودين من جديد وهو ما يستدعي كسر هذه الحلقة المفرغة عبر إصلاح مالي جذر يقطع سياسة الاستدانة الاستهلاكية ويرهن القروض بالتنمية الإنتاجية الحقيقية التي تقي البلاد هزات المستقبل وشظف الأزمات القادمة.. فمتى يبدأ الاصلاح الاقتصادي



















