جراح الصخر الغائرة.. حين تستعيد الذاكرة صوتها

حسين صادق17 أغسطس 2026آخر تحديث :
جراح الصخر الغائرة.. حين تستعيد الذاكرة صوتها

جراح الصخر الغائرة.. حين تستعيد الذاكرة صوتها

 

✍️.سمير السعد

 

حين يمرّ الشعر من بوابة الذاكرة، يتحول المكان إلى كائن حي، ويغدو الصمت لغة ثانية للإنسان، فيما تستيقظ الأشياء القديمة على هيئة أسئلة مؤجلة. هكذا تبدو قصيدة “جراح الصخر الغائرة ” للشاعر الكردي العراقي مهدي زريان ، نصاً مشبعاً برائحة الأرض، ووجع الغياب، وظلال الحروب، وقدرة الإنسان على استعادة ما ظنه الزمن مدفوناً تحت الركام.

 

وُلد مهدي زريان عام 1967 في آلتون كوبري التابعة لمحافظة كركوك، وبدأ تجربته مع الشعر الحديث عام 1988 حين كتب قصيدته الأولى “ليلة الموت ” . وفي عام 2005 أصدر اتحاد أدباء فرع كركوك ديوانه الأول ” بيانات العدم ” ، ليواصل حضوره في المشهد الثقافي شاعراً وقاصاً وكاتباً وإعلامياً. ويشغل حالياً منصب رئيس نقابة صحفيي كوردستان – فرع كركوك، فيما عرفت قصائده طريقها إلى لغات حية متعددة، الأمر الذي منح تجربته الشعرية مساحة تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.

 

تدخل القصيدة إلى عالمها من بوابة حزينة وواسعة حين يقول زريان: “بكاءُ النهرِ ودموعُه ، من موتِ الأسطورةِ بدأت! ” . منذ هذه العتبة، يصبح النهر شاهداً على انطفاء عالمٍ كامل، بما يحمله من ذاكرة وحكايات وأحلام. ثم يأخذ الشاعر القارئ إلى “ضبابِ الذاكرةِ ” و “أزقّةِ أفكارنا الضيّقةِ “. في حركة شعرية تجمع بين جغرافية المكان وجغرافية الروح، حيث يضيق الواقع كلما اتسعت الذاكرة بما تحمله من أسئلة وأوجاع.

 

وفي قلب هذا المشهد تظهر صورة الجيل الذي يحمل أحلامه رغم الخراب: “فتيانُ الصمتِ في وطني وفتياتُه الحِسان، أحلامُهم زرقاءُ كالسماء، وآمالُهم أكثرُ اخضراراً من ورقِ الزيتونِ النضر “. اللونان الأزرق والأخضر هنا يحملان دلالات الأمل والحياة، فيما يحضر الزيتون باعتباره علامة متجذرة في الذاكرة الشرقية، ليمنح الصورة بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المكان.

 

ثم ينقلنا الشاعر إلى قرية مهجورة ” عند سفحِ جبلٍ شامخ ” . حيث تتجسد الذاكرة في الأشياء. هناك “بقايا نبعٍ “. وبالقرب منه “جرّةٌ مزركشةٌ تُركت محطّمةً هناك “. الجرّة تتحول إلى أثر إنساني نابض، حين يقول: “ما زال أثرُ اليدينِ وعطرُ الكتفِ والعنقِ والشعرِ لامرأةٍ عالقاً بها “. هذه الصورة من أكثر لحظات القصيدة حميمية ، فالغائبة تستعيد حضورها عبر شيء جامد، وكأن الذاكرة تحفظ الإنسان في الأشياء حين تعجز عن حفظه في الحياة.

 

أما حدوة الحصان فتفتح باباً آخر للغموض والأسطورة: ” بقيت حدوةُ ذاك الحصانِ الذي ما زال يصهلُ ويُنخِرُ حتى الآن “. ومع الصهيل يتخيل الشاعر نفسه “كفارسٍ سقطَ عن صهوتِه “. فتتداخل الذات مع الماضي، ويصبح الفارس صورة للإنسان الذي فقد موقعه وسط تحولات الزمن، فيما يظل صدى الخيل حاضراً في الذاكرة.

 

تبلغ القصيدة ذروة غرابتها الجميلة حين يقول: ” من جراحِ الصخورِ يسيلُ الدم، وكلُّ شجرةٍ تروي حكاية! “. هنا تتشخص الطبيعة، وتتحول الصخور إلى أجساد مجروحة، والأشجار إلى رواة يحملون شهادات المكان. القرية بدورها تبدو “ككتبِ الأقدمين، مليئةً بالطلاسمِ والسحر، بالرموزِ المعقّدةِ والإشاراتِ المنسيّة “. وكأن الشاعر يقف أمام كتاب تاريخي مفتوح، غير أن صفحاته مكتوبة بلغة الأطلال والرموز.

 

وتأتي الساعة المتوقفة بوصفها علامة على انقطاع الزمن: “ساعتي توقّفت، لكنني أعلمُ أنَّ الوقتَ قد فات، ولم يبقَ لي طريقٌ للعودة!” . إنها لحظة اعتراف إنساني عميقة، فالمسألة تتجاوز فقدان الوقت إلى فقدان القدرة على استعادة ما مضى. ومع ذلك، يظل التراب محتفظاً بعطره، والغبار ” يضجُّ بالأنفاس “. في إشارة جميلة إلى أن الحياة تترك أثرها حتى في أكثر الأماكن ارتباطاً بالموت.

 

وفي المشهد الأخير، يجمع الشاعر شظايا “مرآةٌ محطّمةٌ وغارقةٌ في القدم “. ثم يضع القطع جنباً إلى جنب، فإذا بها تمتلئ ،بالأغاني، وبآهاتٍ وعويلٍ لم يُسمع من قبل “. المرآة تصبح رمزاً للذاكرة المكسورة، وشظاياها صورة لتاريخ مثقل بالحروب، حتى يصل النص إلى خاتمته الدالة: ” انعكاسٌ لمئاتِ الحروبِ المليئةِ بالصدوع، وحواراتٍ.. لم تكتمل! ” . هنا تختصر المرآة مسيرة الإنسان بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث، وبين أصوات قالت كلمتها وأصوات بقيت معلقة في فضاء الصمت.

 

في هذه القصيدة تتجلى خصوصية مهدي زريان شاعراً وقاصاً وصحفياً ، عين ترصد التفاصيل، وذاكرة تفتش عن الإنسان، ولغة تحوّل المكان إلى وثيقة وجدانية. فالمشهد عنده لا يقف عند حدود الوصف، وإنما يتحول إلى سؤال عن الموت والغياب والحرب والهوية، وعن قدرة الإنسان على الاحتفاظ بكرامته وذاكرته وسط عالم تتكاثر فيه الشظايا.

 

(جراح الصخر الغائرة ) قصيدة تجعل من المكان ذاكرة، ومن الأشياء شهوداً، ومن الجرح لغة. وحين يغادر القارئ القرية التي رسمها زريان، يشعر أن تلك الجراح لم تبقَ غائرة في الصخر وحده، وإنما امتدت إلى الذاكرة الإنسانية. ولعل أجمل ما يتركه النص أن الصخر، رغم نزفه، ما زال يحتفظ بما يكفي من الضوء كي يروي الحكاية، وأن الشاعر، حين يجمع شظايا المرآة، لا يبحث عن صورته وحدها، وإنما يحاول أن يعيد للغائبين وجوههم، وللذاكرة صوتها، وللكلمة قدرتها على أن تبقى..

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق