الاستقالة صرخة بوجه الفساد
د. حسن جمعة
في زمن تتشابك فيه الرؤى وتتراجع أمام ضغطه الرهانات الوطنية الكبرى يقف الشارع اليوم على حافة لحظة تاريخية فارقة تتكشف فيها شجاعة الموقف الإنساني والأخلاقي أمام هول التجربة وعظم المسؤولية حين تصل خيبة الأمل منتهاها لدى نخبة من المسؤولين التنفيذيين الذين اختاروا طريق المواجهة المباشرة والمكاشفة الصريحة بدلا من الركون إلى التماهي مع واقع مأزوم ينهك الجسد العام ويستنزف مقدرات الأمة.. تتواتر الأنباء والهمسات في كواليس صنع القرار عن تحركات متزامنة ونية جادة لدى عدد لا يستهان به من الوزراء والمسؤولين الذين وجدوا أنفسهم فجأة وجه لوجه أمام جدران صلبة وهياكل معقدة من الفساد المنظم المتجذر في عمق المؤسسات والوزارات التي جاؤوا في الأصل لإصلاحها وتطهير مجاريها ليكون هذا الحراك المرتقب بمثابة صرخة مدوية في وجه العبث وشاهد إثبات صارخ على عمق الأزمة التسييرية والهيكلية التي تجرف معها كل محاولات النهوض والتعافي وتقتل كل أمل في التغيير… إن هذه الخطوة المفصلية الحرج وإن بدت في ظاهرها شكلا من أشكال الانسحاب أو التنحي عن المشهد المعقد إلا أنها تحمل في جوهرها الأدبي والسياسي أعلى درجات التعبير عن الموقف الحر ورفض التنازل عن الثوابت الأخلاقية وهي رسالة شديدة اللهجة تفيد برفض قاطع لأن تكون تلك المناصب الرفيعة مجرد واجهات براقة لتغطية التجاوزات الصارخة أو مظلة صورية تمرر من خلالها الممارسات الملتوية والصفقات التي تدار في الظلمة بعيدا عن أعين الرقابة وحساب الضمير .. تضع هذه المواجهة الجريئة بين إرادة الإصلاح الفردية وواقع الفساد المؤسسي المستشري الوطن بأكمله أمام مرآة الحقيقة القاسية ليتجاوز الأمر مجرد استقالة أفراد أو مغادرة أصحاب معالي المكاتبهم الوفيرة وينتقل إلى كونه زلزالا فكريا وسياسيا يطرح سؤالا وجوديا وحرجا حول مدى قدرة أجهزة الدولة على حماية شرفائها وتوفير البيئة الصالحة لمن يريد البناء والإصلاحوفي المقابل يضع الجميع أمام اختبار حقيقي وخطير يتعلق بكيفية استعادة ثقة الشارع التي تأكلت وتلاشت بفعل تراكمات السنين الخالية وإصلاح ما أفسدته أيدي العابثين بمقدرات الوطن.. إن التاريخ لا يرحم والمواقف الحرة هي التي تبقى حية في ذاكرة الشعوب حين تتوارى الألقاب والمناصب




















