السلام الإيجابي… نهج الدولة وقوة العراق في عالم متغير
===============
في زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية لم يعد السلام مفهوما يقتصر على غياب الحروب أو احتواء الأزمات بل أصبح مشروعا استراتيجيا يقوم على بناء الثقة وتعظيم المصالح المشتركة وترسيخ الشراكات التي تصنع الاستقرار وتدعم التنمية وهذا هو جوهر السلام الإيجابي الذي تتبناه الدول الواثقة بإمكاناتها والمؤمنة بأن الحوار والتعاون هما الطريق الأقصر نحو الأمن المستدام.
ومن هذا المنظور تأتي الزيارة الرسمية التي يجريها دولة رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها محطة مهمة في مسار السياسة العراقية ورسالة واضحة تؤكد أن العراق يتحرك بثقة نحو توسيع آفاق التعاون الدولي بما ينسجم مع مصالحه الوطنية العليا ويعزز حضوره الإقليمي والدولي بوصفه دولة مسؤولة وشريكا موثوقًا.
إن العراق اليوم لا يبحث عن اصطفافات وإنما ينطلق من رؤية وطنية مستقلة تؤمن بأن الانفتاح على المجتمع الدولي يمثل مصدر قوة للدولة وأن تنوع العلاقات الخارجية يمنح العراق مساحة أوسع لحماية مصالحه وتعزيز أمنه ودعم اقتصاده، وتطوير قدراته في مختلف المجالات.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن الوطني لم يعد يقاس فقط بقدرة المؤسسات على مواجهة التحديات وإنما بقدرة الدولة على بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية التي توفر بيئة مستقرة للنمو والاستثمار وتفتح أبواب التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والتعليم والصحة وتطوير القدرات المؤسسية وهذه هي الفلسفة التي تنطلق منها الدبلوماسية العراقية في هذه المرحلة.
إن اللقاءات التي يعقدها دولة رئيس الوزراء في واشنطن تمثل فرصة لتعزيز التعاون في الملفات ذات الأولوية وفي مقدمتها دعم التنمية الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات وتطوير البنى التحتية فضلاً عن تبادل الخبرات بما يرسخ قدرات مؤسسات الدولة ويخدم المواطن العراقي بصورة مباشرة.
وفي الوقت نفسه فإن العراق يواصل تأكيد ثوابته القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والحرص على إقامة علاقات متوازنة مع جميع دول الجوار والشركاء الدوليين انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة واستقرارها مسؤولية مشتركة وأن الحوار والتفاهم يظلان الخيار الأكثر حكمة في معالجة التحديات.
إن السلام الإيجابي الذي ننشده لا يُبنى بالشعارات بل بالسياسات الرشيدة وبالقيادة التي تمتلك شجاعة الحوار ورؤية المستقبل والقدرة على تحويل العلاقات الدولية إلى فرص حقيقية للتنمية والاستقرار والعراق بقيادته الحالية يمضي في هذا المسار بثقة مستندًا إلى إرثه الحضاري ومكانته الجغرافية ودوره المحوري في محيطه.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه الزيارة هي أن العراق يختار أن يكون جسرًا للتقارب لا ساحة للتجاذب وشريكًا في صناعة الاستقرار لا طرفًا في تعميق الانقسامات. فكل علاقة خارجية تُبنى على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة تمثل إضافةً لقوة العراق، وكل نجاح دبلوماسي ينعكس أمنًا وازدهارًا وثقةً بمستقبل الوطن.
إن السلام الإيجابي ليس عنوانًا لمرحلة سياسية فحسب بل هو عقيدة دولة تؤمن بأن قوة العراق تكمن في استقلال قراره وتوازن علاقاته ووحدة شعبه وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص والانفتاح إلى إنجاز والدبلوماسية إلى ركيزة من ركائز الأمن الوطني الشامل.
==================
الفريق الدكتور
سعد معن الموسوي




















