«أوراق من المسرح والثقافة» للدكتور عزيز جبر يوسف، متضمناً مجموعة من الرؤى والمقالات التي تتناول قضايا المسرح والفن والثقافة.
ويأتي إصدار الكتاب ضمن مبادرة نقابة الفنانين العراقيين ودار بوك سايننك للطباعة والنشر والتوزيع لدعم إنتاج الكتب والدراسات الفنية، والإسهام في رفد المكتبة الفنية العراقية بالمؤلفات المتخصصة.
نص الحوار الذي اجراه د. حسن جمعه مع الفنان د. عزيز جبر يوسف.
الدكتور عزيز جبر الساعدي لـ«النهار»: الثقافة عالم كبير ، والنقد مسؤولية لا مجاملة،،
«أوراق في المسرح والثقافة».. رحلة بين الخشبة والكلمة والذاكرة،،
في المشهد الثقافي العراقي، ثمة أسماء راكمت تجاربها عبر المسرح والتأليف والإخراج والتمثيل والتدريس، وظلت تتابع تحولات الفن وأسئلته، وتكتب عن منجزه وإشكالاته. ومن بين هذه الأسماء الدكتور عزيز جبر الساعدي، رجل المسرح الذي امتدت تجربته عبر سنوات من العمل الفني والثقافي، ليقدم للقارئ كتابه الجديد «أوراق في المسرح والثقافة»، الصادر عن اهتمام طويل بالمسرح والأدب والنقد والدراما.
لا يقتصر الكتاب على الكتابة المسرحية بمعناها الضيق، بل يفتح نوافذ متعددة على الشعر والقصة والدراما التلفزيونية وشخصيات ثقافية وفنية، ويستعيد في عدد من موضوعاته قضايا تتصل بالذاكرة والإبداع ومسؤولية النقد ومكانة الثقافة في المجتمع. كما يضم أربعة نصوص مسرحية لم ترَ النور بعد، تنتظر فرصتها للوصول إلى الخشبة.
في هذا اللقاء مع جريدة «النهار»، يتحدث الدكتور عزيز جبر يوسف عن كتابه، ودوافع الكتابة، ووظيفة النقد، وما يراه من تحديات تواجه المهرجانات المسرحية والدراما التلفزيونية، فضلاً عن موقع الكتاب في زمن التحولات الرقمية.
النهار: اخترت لكتابك عنوان «أوراق في المسرح والثقافة». ما الذي تعنيه كلمة «أوراق» في هذا السياق؟
عزيز جبر الساعدي: اخترت كلمة «أوراق» لأن هذه الكتابات لم تولد في زمن واحد، ولم تنطلق من موضوع واحد. بعضها كُتب في مناسبات ثقافية، وبعضها جاء نتيجة مشاهدة مسرحية أو قراءة نص أدبي، فيما كان بعضها الآخر استجابة لموقف أو ظاهرة تستحق التأمل والنقد.
لكن ما يجمع هذه الأوراق هو الإنسان؛ الإنسان الذي نراه على خشبة المسرح، ونقرأه في الشعر والقصة، ونراقب صورته في الدراما التلفزيونية، ونكتشف ملامحه في المجتمع. فالثقافة، في رأيي، ليست معلومات نخزنها، وإنما وعي يجعلنا أكثر قدرة على فهم الحياة وأسئلتها.
النهار: يتضح من موضوعات الكتاب أنك لا تحصر اهتمامك في المسرح، بل تنتقل إلى الشعر والقصة والدراما التلفزيونية. كيف تلتقي هذه المساحات في تجربتك؟
عزيز جبر الساعدي: الفنون والآداب، على اختلاف أشكالها، تتبادل الأسئلة والتجارب. فالمسرح لا يعيش منعزلاً عن الشعر، والدراما لا تنفصل عن المجتمع وتاريخه وذاكرته. وكل شكل إبداعي يمتلك أدواته الخاصة، لكنه يلتقي مع الأشكال الأخرى عند الإنسان وما يعيشه من تحولات وتناقضات.
يضم الكتاب قراءات في بعض النصوص الشعرية، وتوقفات عند شخصيات وتجارب أدبية وثقافية، فضلاً عن مقالات تتناول الدراما التلفزيونية وما تقدمه من صور للواقع. وما يهمني ليس أن أكتب عن عمل لأنه مشهور، أو عن شخصية لأنها حاضرة في المشهد، بل أن أبحث عما يستحق التوقف عنده، وأن أقدم قراءة تفتح باباً للحوار، لا أن تغلقه بحكم نهائي.
النهار: تنتقد في بعض كتاباتك مظاهر المجاملة في الوسط الفني. أين تقف حدود النقد الحقيقي، وكيف يمكن أن نميّزه من الخصومة الشخصية؟
عزيز جبر الساعدي: النقد مسؤولية قبل أن يكون كتابة. الناقد ليس موظفاً لدى المبدع، وليس خصماً له أيضاً. وظيفته أن يرى العمل كما هو، وأن يوضح مكامن قوته وضعفه، مستنداً إلى أسباب فنية وفكرية واضحة.
المجاملة تضر بالمبدع لأنها تحرمه من معرفة مواضع الخلل، والعداء الشخصي يظلم العمل لأنه يحاكم صاحبه بدلاً من أن يحاكم تجربته. نحن بحاجة إلى نقد يحترم المنجز، لكنه لا يتنازل عن حقه في مساءلته.
وأؤمن بأن المبدع الحقيقي لا يخاف الضوء، وأن النقد النزيه لا يسعى إلى إطفاء ذلك الضوء، بل إلى جعله أكثر وضوحاً. فالفن يتقدم بالحوار الصريح، وليس بالتصفيق الدائم أو الأحكام المسبقة.
النهار: يحمل عنوان «ضربة صنج» في الكتاب نبرة ساخرة واحتجاجية. ما الذي أردت التعبير عنه من خلاله؟
عزيز جبر الساعدي: السخرية أحياناً وسيلة لكشف ما تعجز اللغة المباشرة عن فضحه. هناك مواقف في حياتنا الثقافية تستحق التوقف عندها، خصوصاً حين تُهمَّش التجربة الحقيقية، أو تتحول الذاكرة إلى سلعة، أو يصبح الحضور الإعلامي أهم من قيمة المنجز.
«ضربة صنج» ليست رغبة في الإساءة إلى أحد، وإنما محاولة لإيقاظ الانتباه. فالصنج يصدر صوتاً، لكن السؤال هو: هل وراء الصوت موسيقى ومعنى، أم أنه مجرد ضجيج؟ وهذا السؤال لا يخص المسرح وحده، بل يمتد إلى حياتنا الثقافية عموماً، حيث ينبغي أن تكون قيمة الإنسان بما يقدمه من إبداع، لا بما يحيط نفسه به من مظاهر.
النهار: من هذا المنطلق، كيف تنظر إلى المهرجانات المسرحية؟ وهل تكفي كثرتها للدلالة على ازدهار الحركة المسرحية؟
عزيز جبر الساعدي: ليس بالضرورة. المهرجان مهم حين يكون فرصة لعرض التجارب الجادة، وتبادل الأفكار، واكتشاف الطاقات الجديدة، وتطوير الحوار بين الفنانين. أما إذا اختُزل في الصور والتكريمات والمجاملات، فإنه يفقد جانباً أساسياً من وظيفته.
المهرجانات ليست احتفالات عابرة فحسب، بل يمكن أن تكون جزءاً من ذاكرة الوطن الثقافية، لأنها توثق التجارب وتتيح التواصل بين الأجيال. ومن هنا تأتي مسؤولية المؤسسات الرسمية والقائمين على الثقافة في دعمها وضمان استمرارها، بعيداً عن ربط مصير النشاط الثقافي بشخص واحد أو ظرف مؤقت.
إن الثقافة مسؤولية عامة، والمسرح لا ينبغي أن يتوقف كلما تغيرت الظروف الإدارية أو اختلفت العلاقات بين المؤسسات. المطلوب رؤية ثقافية مستمرة تجعل النشاط الفني جزءاً من مشروع وطني، لا مبادرات موسمية ترتبط بأشخاص بعينهم.
النهار: خصصت مساحة في الكتاب لقراءة أعمال تلفزيونية، منها مسلسلا «ليل البنفسج» و«اسمي حسن». ما المعايير التي تعتمدها في قراءة الدراما؟
عزيز جبر الساعدي: أبحث عن العلاقة بين العمل والحياة، وعن مدى قدرته على تقديم شخصيات مقنعة وأحداث تمتلك منطقها الداخلي، فضلاً عن رؤية فنية لا تكتفي بإعادة إنتاج ما نعرفه.
الدراما ليست مجرد حكاية تُروى، بل طريقة في قراءة المجتمع. وقد ينجح العمل في جذب الجمهور، لكنه يحتاج أيضاً إلى احترام وعيه، وألا يتعامل معه بوصفه متلقياً سلبياً. وفي بعض الأعمال تبرز أسئلة تتعلق بالتاريخ والذاكرة والواقع، وهنا تصبح القراءة النقدية محاولة للتمييز بين ما تقوله الدراما وما يقوله التاريخ، وبين الضرورة الفنية والمسؤولية المعرفية.
أنا لا أطالب بأن تتحول الأعمال الفنية إلى دروس مباشرة، لكنني أرى أن من حق الجمهور أن يجد عملاً يمتلك الصدق والرؤية، ويمنحه متعة المشاهدة وفرصة التفكير في آن واحد.
النهار: هل ترى أن الدراما تتحمل مسؤولية اجتماعية تتجاوز الترفيه؟
عزيز جبر الساعدي: الفن يستطيع أن يرفّه عن الإنسان، وهذا جانب مهم من وظيفته، لكنه قادر أيضاً على أن يجعله يفكر ويسأل ويراجع مواقفه. المسألة ليست في أن نقدم خطاباً وعظياً، وإنما في أن ننتج عملاً يمتلك رؤيته وصدقه وضرورته الفنية.
الفنان والكاتب لا يعملان خارج المجتمع، بل يتفاعلان مع قضاياه وتناقضاته. ولذلك فإن المسؤولية لا تعني مصادرة حرية الإبداع، وإنما تعني إدراك أثر الصورة والكلمة في وعي الجمهور، وتقديم عمل يحترم ذكاء المشاهد ولا يستهين بتجربته الإنسانية.
النهار: يضم الكتاب قصصاً مثل «النقيب الكذاب» و«اليساري»، فضلاً عن قصة «ومضة». كيف انتقلت من عالم المسرح إلى الكتابة القصصية؟
عزيز جبر يوسف: القصة تمنح الكاتب مساحة مكثفة لالتقاط لحظة إنسانية أو مفارقة اجتماعية. قد تكشف جملة واحدة تناقضاً كبيراً، وقد تختصر شخصية كاملة في موقف عابر.
المسرح والقصة يلتقيان في اهتمامهما بالإنسان، لكن لكل منهما أدواته. المسرح يضع الإنسان أمامنا في فعل حي، بينما تستطيع القصة أن تتسلل إلى تفاصيله الداخلية، وأن تكشف ما لا يقوله بصوت مسموع.
أما السخرية في بعض القصص، فهي ليست غاية بحد ذاتها، وإنما طريقة في النظر إلى التناقض بين ما يدعيه الإنسان وما يفعله. وهي، حين تكون نابعة من فهم عميق للشخصيات والواقع، قادرة على أن تقول الكثير من دون إطالة أو مباشرة.
النهار: تشير إلى أن الكتاب يضم أربعة نصوص مسرحية لم ترَ النور بعد. لماذا لم تصل هذه النصوص إلى الخشبة حتى الآن؟
عزيز جبر يوسف: هناك نصوص يكتبها المؤلف، ثم تنتظر ظروفاً مناسبة للإنتاج والعرض. فليس كل نص مكتوب يجد طريقه إلى الخشبة، لأسباب تتعلق بالإمكانات أو فرص الإنتاج أو طبيعة الموضوع.
لكن النص المسرحي لا تكتمل رحلته بمجرد الكتابة؛ إنه ينتظر المخرج والممثلين والجمهور. وأتمنى أن تجد هذه النصوص فرصتها، لأنني أؤمن بأن النصوص لا ينبغي أن تبقى حبيسة الأوراق إذا كانت قادرة على أن تتحول إلى عروض تضيف شيئاً إلى تجربتنا المسرحية.
فالكتابة المسرحية ليست غاية مغلقة، بل هي مشروع ينتظر الحياة فوق الخشبة، حيث تبدأ علاقة جديدة بين المؤلف والمخرج والممثل والمتلقي.
النهار: بعد سنوات من العمل في المسرح والتأليف والتدريس، كيف تنظر إلى واقع الثقافة اليوم؟ وهل ما زال الكتاب قادراً على التأثير في القارئ وسط التحولات الرقمية؟
عزيز جبر الساعدي: الكتاب ما زال ضرورياً، وإن تغيرت طرائق الوصول إليه. المشكلة ليست في الوسيلة، بل في نوعية ما نقدمه للناس، وفي قدرتنا على بناء قارئ يمتلك السؤال والحس النقدي.
نحن نعيش تحولات سريعة، وتتنافس أمام الإنسان وسائل كثيرة للحصول على المعلومة. لكن المعلومة وحدها لا تصنع ثقافة؛ فالثقافة تحتاج إلى قراءة وتأمل ومقارنة وحوار. وقد تمنحنا الوسائل الرقمية فرصاً واسعة للوصول إلى المعرفة، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التحقق والتفكير وتكوين الرأي.
مسؤوليتنا، نحن الذين عملنا في التعليم والفن، لا تتوقف عند نشر الكتب أو تقديم العروض، بل تمتد إلى تشجيع الأجيال الجديدة على التفكير والإبداع، ومنحها الفرصة كي تقدم رؤيتها الخاصة. فالثقافة الحية هي التي تسمح للأسئلة الجديدة بأن تظهر، ولا تكتفي بتكرار الإجابات القديمة.
النهار: لو طلبنا منك أن تختصر رسالة «أوراق في المسرح والثقافة» في عبارة واحدة، فماذا تقول؟
عزيز جبر الساعدي: أقول إن هذه الأوراق محاولة لحفظ ما علمتنا إياه التجربة، وللتذكير بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن الفن ليس زينة للحياة، بل إحدى الوسائل التي نفهم بها أنفسنا والعالم من حولنا.
النهار: وماذا تقول للقارئ الذي سيمسك الكتاب للمرة الأولى؟
عزيز جبر الساعدي: أتمنى ألا يقرأ الكتاب بحثاً عن إجابات جاهزة، بل أن يجده مساحة للحوار والاختلاف والتأمل. لا أزعم أنني أمتلك الحقيقة كاملة، لكنني أحاول أن أشارك القارئ ما رأيته وقرأته وعشته، وأن أترك له حقه في أن يوافق أو يعترض أو يذهب إلى رأي آخر.
فالكتابة، في جوهرها، ليست نهاية الحوار، وإنما بدايته.



















