حين يُصافح المرء شبحه فرانكل وحيلة الشفاء التي تُشبه المقامرة

حسين صادق2 نوفمبر 2026آخر تحديث :
حين يُصافح المرء شبحه فرانكل وحيلة الشفاء التي تُشبه المقامرة

حين يُصافح المرء شبحه

فرانكل وحيلة الشفاء التي تُشبه المقامرة

كانت الساعات القليلة التي تفصلني عن الامتحان الصباحي تنكمش شيئا فشيئا، وأنا ممزّق بين ثلاثة اتجاهات لا تلتقي: قلق الامتحان الذي ينتظرني عند الفجر، وعرض عمل وصلني تلك الليلة بالذات يستحق تفكيرا عميقا لا يحتمل التسرع، وجرس الهاتف الذي راح يرنّ بين الحين والآخر، حاملا مقابلة جديدة تُضاف إلى الزحام. وحين رنّ، تسارع نفَسي فجأة، وتدافعت في ذهني آراء متضاربة لا تهدأ: أألغي المقابلة وأمنح نفسي مساحة أوسع للتروي، أم أمضي إلى الحاضر الملموس أمامي وأواجهه كما هو؟ وفي تلك اللحظة، بين نبضة وأخرى، أيقنت شيئا لم أكن أعرفه عن نفسي من قبل: أن الحياة لا تنتظرنا لنأخذ وقتنا الكافي في مراجعة الأمور، بل تتطلب منا أحيانا أن نقتحم المجهول مباشرة لنرى حقيقته. لم أكن عاجزا عن الفعل، بل عاجزا عن معرفة أي الصوتين فيّ يستحق أن يُطاع أولا. وهذا ما اكتشفته حينها دون أن أملك له اسما بعد: أن الذهن حين يُقسَم بين مطالب متزاحمة، لا يعود العقل الواعي وحده هو من يقرر، بل ثمة طبقة أعمق فينا تحسم الأمر فعليا، بينما تبقى إرادتنا الواعية تتوهم أنها ما زالت ممسكة بزمام القرار.

هذا اللغز الصغير الذي عشته تلك الليلة هو ما توقف عنده الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل، الناجي من معسكرات الاعتقال النازية ومؤسس “العلاج بالمعنى”، حين لاحظ أن هذه المفارقة تحكم أيضا أكثر الاضطرابات النفسية إيلاما: الرهاب، والتلعثم، والقلق الاجتماعي. ومنها صاغ إحدى أذكى الحيل العلاجية في القرن العشرين، وأكثرها إرباكا للمنطق السليم: إن أردت أن تتخلص من خوفك، فلا تحاربه — بل تمنّه بكل قوتك.

القلق الذي يخلق ما يخشاه

يسمي فرانكل الآلية المرضية “القلق الاستباقي”: الترقب الذي يستبق الموقف ويصنع كارثته سلفا في المخيلة، فيتحول الخوف من احتمال إلى نبوءة تحقق نفسها بنفسها. ومعه يسير “الجهد المفرط”، أي محاولة إثبات الذات بقوة إرادية زائدة، تُجهض بالضبط ما تسعى إليه، لأن ثمة أفعالا إنسانية، كالنوم والضحك والكلام الطليق، لا تُستدعى بالأمر، بل تُترك لتأتي من تلقاء نفسها. والفكرة الأهم هنا: القلق الاستباقي ليس خوفا من شيء بعينه، بل هو خوف من الخوف نفسه — والمريض لا يخشى العرض بقدر ما يخشى خوفه منه. وهذا بالضبط ما يجعل كسر الحلقة ممكنا دون معجزة.

حين يُدعى الخوف إلى مبارزة عبثية

تحمل تقنية فرانكل اسم “القصد التناقضي”: أن يُدعى المريض، بدل الفرار من عرضه، إلى استدعائه عمدا والمبالغة في تمنّيه. والمفتاح الحقيقي ليس “التمني” ذاته، بل الانقلاب في الموقف: أن يقف المرء للحظة خارج معاناته، يراقبها كمتفرج لا كضحية، ويسخر منها. يسمي فرانكل هذه القدرة “الانفصال عن الذات”، ويرى في الفكاهة أداتها المثلى، لأنها تُبطل شحنة الخطر الانفعالية دون معركة مباشرة.

خذ حالة الطبيب الشاب الذي رواها فرانكل: رجل عاش سنوات أسيرا لرهاب التعرق أمام الناس. وجّهه فرانكل إلى جملة واحدة يرددها كلما دخل موقفا مهددا: “لقد صببت من قبل لترا من العرق، والآن سأثبت لهم أنني أقدر على عشرة!”. تبخر رهاب أرّقه سنوات في جلسة واحدة، لا لأن الجملة سحرية، بل لأنها حررته من موقع الضحية إلى موقع المتفرج الساخر.

حدود الحيلة التي لا تُقال كثيرا

لكن الحالة الثانية التي يوردها فرانكل — رجل متلعثم لم يتخلص من تلعثمه إلا حين تظاهر به عمدا فاكتشف عجزه عنه حين قصده بإرادته — تُروى غالبا كدليل نهائي، وهي في الحقيقة أقرب إلى ومضة عابرة. فرانكل نفسه قيّد استخدام تقنيته بحالات الرهاب والوسواس تحديدا، ولم يزعمها بديلا في حالات الاكتئاب الحاد أو الصدمات الجسيمة. وهذا تحفظ يغيب حين تتحول هذه الحكايات إلى شعار شعبي من نوع “واجه خوفك وسيختفي” — قراءة تسطّح فرانكل أكثر مما تنصفه. فماذا لو لم تنجح الدعابة؟ فرانكل يفترض أن “الانفصال عن الذات” متاح للجميع بالتساوي، لكن من عاش قهرا طويلا مع اضطرابه قد لا يملك المسافة الكافية لمزاحه، دون مرافقة تُمهّد له هذا الانفصال أولا.

مسار مغاير لسراديب اللاوعي

يمثّل هذا المسار قطيعة مع افتراض راسخ في التحليل النفسي الكلاسيكي: أن كل عرض رسالة مشفرة من اللاوعي لا تُفكّ إلا برحلة طويلة في أرشيف الطفولة. يقترح فرانكل أن بعض المعاناة ليست أثرا لماضٍ مطموس، بل نتاج علاقة معطوبة مع الحاضر، يمكن إصلاحها بتغيير الموقف الذهني لا بالتنقيب عن السبب الأول. فكل إنسان يحمل مسعاه الخاص نحو ذاته، رحلة فردية لا تخضع بالضرورة لخريطة واحدة يسير عليها الجميع — تماما كما وجدت أنا، تلك الليلة، أن قراري لم يكن نسخة عن قرار غيري، بل كان طريقي الخاص نحو مواجهة ما كنت أخشاه.

المقامرة الأخيرة

يبقى في هذه الحيلة شيء يُشبه المقامرة الوجودية: أن تراهن على أن شبحك، إن نظرت إليه مباشرة وابتسمت له، سيتراجع خطوة. لا لأنه هُزم، بل لأنه يعيش فقط في الظل الذي تصنعه له حين تدير له ظهرك. فرانكل لم يعدنا بأن كل خوف يذوب بمزحة، لكنه ذكّرنا بشيء أكثر تواضعا وجذرية معا: أن للإنسان، حتى في أحلك لحظاته، مسافة صغيرة يقف فيها خارج معاناته — وأن تلك المسافة، مهما ضاقت، تكفي أحيانا ليستعيد فيها زمام إرادته، كما استعدته أنا في تلك الليلة، حين اخترت أن أمضي إلى الحاضر الملموس، لا أن أظل أسير المراجعة والتردد.

 

المصادر:

فيكتور إ. فرانكل، إرادة المعنى: أسس ومجالات تطبيق العلاج بالمعنى، دار نيو أمريكان لايبراري، 1969.

فيكتور إ. فرانكل، “القصد التناقضي: تقنية في العلاج بالمعنى”، المجلة الأمريكية للعلاج النفسي، 1960.

بقلم: زينب طارق العراق

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق