*إنقاذ الاقتصاد العراقي يبدأ بتنشيط القطاع الخاص*
حسين الفلوجي* 20/10/2026
لم تعد الأزمة الاقتصادية في العراق مرتبطة فقط بانخفاض أسعار النفط أو ارتفاعها، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه؛ فالدولة ما زالت تتحمل العبء الأكبر في التوظيف والإنفاق، بينما يعتمد السوق بدرجة واسعة على الاستيراد لتأمين السلع والخدمات. وعندما تتراجع الإيرادات النفطية تبقى الرواتب والتقاعد والدعم والالتزامات الحكومية قائمة، فتضيق خيارات الدولة وتظهر هشاشة الاقتصاد سريعًا.
من هنا، لم يعد تنشيط القطاع الخاص خيارًا تكميليًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية. وتشير التقديرات الحكومية المتداولة خلال عام 2025 إلى أن مساهمة القطاع الخاص تدور حول 37% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن المشكلة ليست في حجم هذه المساهمة وحده، وإنما في طبيعتها؛ إذ يتركز جزء كبير من النشاط الخاص في التجارة والاستيراد والتوزيع والبناء والخدمات، بينما تبقى القاعدة الإنتاجية في الصناعة والزراعة والتعدين والقطاعات القابلة للتصدير أضعف مما يحتاجه الاقتصاد.
ويكشف حجم الاستيراد جانبًا من هذا الاختلال؛ إذ قدر صندوق النقد الدولي واردات القطاع الخاص العراقي في 2025 بنحو 63 مليار دولار. ولا يعني ذلك أن جميعها سلع استهلاكية، فجزء منها معدات ومواد أولية، لكنه يؤكد عمق ارتباط النشاط الاقتصادي الخاص بالاستيراد.
لذلك، فإن المطلوب ليس مجرد رفع مساهمة القطاع الخاص رقميًا، بل تغيير تركيب هذه المساهمة؛ من قطاع يبيع ما يستورده العراق إلى قطاع ينتج ما يستهلكه، ويصدر جزءًا مما ينتجه، ويوفر وظائف حقيقية خارج الجهاز الحكومي.
وهذا التحول لا يتحقق بالقروض والإعفاءات وحدها، بل بتشغيل المصانع والمشاريع المتوقفة، وتوسيع المشاريع الناجحة، وإنقاذ المتعثر القابل للحياة، وتوجيه التمويل نحو المشاريع الأعلى أثرًا في التشغيل والإنتاج وإحلال الاستيراد.
ولا ينبغي انتظار إصلاح الدولة بالكامل حتى يبدأ هذا المسار. الإصلاح المؤسسي طويل، بينما الحاجة إلى الوظائف والإنتاج عاجلة. المطلوب بناء مسار قانوني ومؤسسي ومالي قادر على إزالة العراقيل أمام المشروع المنتج وتسريع القرار وربط الدعم بالنتائج.
العراق لا يحتاج إلى دولة تنسحب من الاقتصاد، بل إلى دولة تغيّر دورها: تنظّم وتحمي المنافسة وتوفر البنية الأساسية وتخفض المخاطر، بينما يتولى القطاع الخاص الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير.
*إنقاذ الاقتصاد العراقي يبدأ عندما تتحول الثروة النفطية من وسيلة لتمويل الاستهلاك إلى رأس مال لبناء اقتصاد منتج يقوده قطاع خاص قوي.*
*باحث بالاقتصاد السياسي
















