نعم للحجاب.. حين يصبح غطاء الرأس قضية حرية وكرامة !
بقلم الإعلامي _ ثائر الموسوي
من مدارس العراق إلى أذربيجان وصولاً إلى بريطانيا كيف يُنظر إلى الحجاب بين القيود والحرية ؟
مع انطلاق الدوام المدرسي في العراق وعودة مشاهد الاصطفاف الصباحي في مدارسنا تتجدد الأسئلة حول مكانة الحجاب في المجتمع وحدود العلاقة بين التعليم والهوية الدينية وحق الإنسان في التعبير عن معتقداته دون أن يتحول اختلافه إلى سبب للإقصاء أو الحرمان.
لكن ما يجري في أذربيجان يضع هذه الأسئلة أمام اختبار أكثر حساسية ويفتح باباً واسعاً للنقاش حول حرية المعتقد وحق الفتيات في التعليم.
أذربيجان أغلبية مسلمة وقيود على الحجاب في المدارس .
تُعد أذربيجان من البلدان ذات الأغلبية المسلمة إذ تشير التقديرات إلى أن المسلمين يشكلون نحو 96% من سكانها ومع ذلك شهدت البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 2026 جدلاً واسعاً بعد تطبيق قواعد جديدة للزي المدرسي أدت إلى منع بعض الطالبات المحجبات من دخول مدارسهن وفق تقارير إعلامية حديثة واللافت أن القواعد الجديدة لا تذكر الحجاب صراحة لكنها تفرض الالتزام بمتطلبات الزي المدرسي ومبادئ التعليم العلماني وهو ما دفع بعض إدارات المدارس إلى تفسيرها على نحو يمنع ارتداء غطاء الرأس الإسلامي.
وقد أثارت هذه الإجراءات احتجاجات وانتقادات لأن القضية لم تعد مقتصرة على شكل الزي المدرسي بل امتدت إلى سؤال جوهري: هل ينبغي أن تدفع الفتاة ثمن تمسكها بمعتقدها من حقها في التعليم ؟
وتزداد خطورة المسألة عندما تتحدث تقارير عن طالبات مُنعن من دخول الصفوف في وقت يُفترض فيه أن تكون المدرسة مساحة للعلم والمعرفة لا مكاناً تتحول فيه الاختلافات الدينية إلى عائق أمام مستقبل الطالبات.
إن العلمانية في جوهر النقاش الدائر لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى مبرر لإقصاء المتدينين كما أن احترام الحرية الدينية لا يعني تجاهل الأنظمة المدرسية المشروعة بل يستدعي البحث عن توازن عادل يحفظ حق التعليم وحرية المعتقد معاً.
بريطانيا العظمى الحجاب لا يمنع المرأة من الوصول إلى مواقع المسؤولية
وعلى الضفة الأخرى تقدم بريطانيا نموذجاً مختلفاً في التعامل مع التنوع الديني داخل المجتمع هنا يمكن أن تلتقي بالمرأة المحجبة في قاعات الجامعات ومكاتب المحاماة والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل ومؤسسات الدولة بل وفي الحياة السياسية أيضاً.
الحجاب لا يعني بالضرورة الانعزال عن المجتمع ولا يحول دون التحصيل العلمي أو النجاح المهني ولا ينبغي أن يكون معياراً للحكم على كفاءة المرأة وقدرتها على الإنجاز ويحمي قانون المساواة البريطاني لعام 2010 الأفراد من أشكال متعددة من التمييز بما فيها التمييز بسبب الدين أو المعتقد كما تؤكد الإرشادات الحكومية الخاصة بالزي المدرسي ضرورة مراعاة الحقوق الدينية والتعامل مع هذه المسائل بصورة معقولة مع إمكان فرض قيود مبررة في ظروف محددة تتعلق مثلاً بالسلامة أو الأمن أو النظام المدرسي.
إذن ليست المسألة أن كل مؤسسة بريطانية ملزمة بقبول كل شكل من أشكال اللباس دون استثناء بل إن الأصل هو احترام الحقوق وعدم التمييز والبحث عن حلول متوازنة تحمي حرية الفرد ولا تنتقص من حقوق الآخرين.
«قوة الحجاب» حين يتحول التمثيل إلى رسالة مجتمعية
ومن الصور اللافتة لهذا الحضور نصب «قوة الحجاب» (The Strength of the Hijab) الذي صممه الفنان لوك بيري وأُعلن عنه عام 2023 للاحتفاء بالنساء اللواتي يرتدين الحجاب يبلغ ارتفاع هذا العمل الفني خمسة أمتار تقريباً ويزن نحو طن وهو مصنوع من الفولاذ وقد أُنجز بمشاركة مجتمعية بهدف إبراز حضور النساء المحجبات والتعبير عن انتمائهن إلى المجتمع البريطاني ، وتكمن أهمية هذا العمل في رسالته الرمزية فبدلاً من التعامل مع الحجاب بوصفه علامة تستدعي الإقصاء أو التهميش يقدم العمل المرأة المحجبة باعتبارها جزءاً من النسيج الاجتماعي الذي يستحق أن يُرى ويُمثَّل في الفضاء العام.
إن التمثال وحده لا يثبت خلو أي مجتمع من التمييز لكنه يقدم مثالاً واضحاً على إمكان التعبير عن التنوع الديني والثقافي من خلال الفن والحياة العامة بدلاً من تحويل الاختلاف إلى سبب للصراع ويعد هذا العمل فريداً من نوعه في العالم .
العراق.. ماذا نريد من مدارسنا أن تعلّم أبناءنا ؟
عندما نتأمل هذه النماذج فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في العراق لا يتعلق بالحجاب وحده بل بطبيعة الرسالة التي نريد أن تقدمها مؤسساتنا التعليمية إلى الأجيال الجديدة ، هل نريد مدرسة تعلّم أبناءنا احترام الاختلاف وتمنحهم فرصة التعلم والتقدم وتربيهم على قبول الآخر؟ أم نريد أن يتحول المظهر الخارجي إلى مقياس للحكم على الطالبات والطلاب وأن تتقدم الخلافات المتعلقة بالهوية على الهدف الأساسي من التعليم؟
إن الحجاب بالنسبة إلى كثير من النساء والفتيات المسلمات تعبير عن قناعة دينية وشخصية واحترام هذه القناعة لا ينتقص من قيمة العلم ولا يتعارض مع بناء الدولة الحديثة ما دام التعامل معها قائماً على الحقوق المتساوية واحترام القانون.
وفي المقابل فإن الدفاع عن حرية ارتداء الحجاب ينبغي أن يقترن أيضاً باحترام حرية المرأة التي تختار عدم ارتدائه لأن مبدأ الحرية يفقد معناه إذا طالبنا بحماية اختيار ورفضنا حماية الاختيار الآخر.
المعيار الحقيقي ليس فرض الحجاب ولا منعه بل ضمان ألا تُحرم فتاة من التعليم أو تُهان امرأة أو تُنتقص حقوق إنسان بسبب مظهره الديني إلا في حدود قيود قانونية مشروعة ومبررة.
الخلاصة نعم للحرية ونعم لحق التعليم ونعم لاحترام المعتقد
إن المقارنة بين أذربيجان وبريطانيا تضعنا أمام حقيقة تستحق التأمل: قد تكون غالبية سكان بلد ما من المسلمين ومع ذلك تنشأ خلافات حادة بشأن ظهور الرموز الدينية في المدار وقد يعيش المسلمون في مجتمع متعدد الأديان والثقافات فتكون لديهم مساحات أوسع للتعبير عن هويتهم مع بقاء تحديات التمييز والقيود القانونية في بعض الحالات.
لذلك فإن القضية لا تُحسم بالأرقام وحدها ولا بمجرد وصف دولة بأنها مسلمة أو أخرى بأنها غربية بل بمدى احترام الحقوق وعدالة تطبيق القوانين وقدرة المؤسسات على حماية كرامة الإنسان.
نعم للحجاب بوصفه حقاً لمن تختاره ونعم لحرية المرأة في اتخاذ قرارها ولا لحرمان الفتيات من التعليم بسبب مظهرهن الديني.
فالمدرسة التي تفتح أبوابها أمام العلم والمعرفة وتحترم كرامة الإنسان واختلافه هي المدرسة التي تستحق أن نبني عليها مستقبل أبنائنا.




















