جلادو مسلسلات شهر رمضان قسوة في الشخصية وبراعة في الاداء ،المبدع المهذب زياد الهلالي،ضياء الدين سامي ،مرتضى حنيص ،محمدعلي كريم ،والفنان الشاب سامر الطائي..
قراءة نفسية وجمالية في أداء الممثل العراقي
بقلم : د.عزيز جبر الساعدي
في كل موسم من مواسم الدراما الرمضانية يعود السؤال ذاته ليطل برأسه: ما السر في قدرة بعض ممثلينا، وخصوصاً الشباب منهم، على تقمص شخصية الجلاد بتلك القسوة المروعة؟ ضابط أمن، أو محقق، أو رجل مخابرات يمارس سلطته ببرود أعصاب يبعث القشعريرة في جسد المشاهد، حتى ليكاد المتلقي يصدق أن من يقف أمامه قد عاش هذه التجربة حقاً، أو مرّ بها من قبل. والحقيقة أن كثيراً من هؤلاء الممثلين لم يقتربوا في حياتهم من مواقف التحقيق أو دهاليز مراكز الأمن، فكيف إذن يستطيعون أن يجسدوا هذا العنف النفسي والجسدي بهذه الدرجة من الإقناع؟
علم النفس يفسر هذه الظاهرة بقدرة الإنسان على التقمص الوجداني؛ أي أن الممثل يمتلك طاقة تخييلية تمكنه من استدعاء انفعالات كامنة في داخله، ثم توسيعها وتكثيفها حتى تتحول إلى سلوك درامي مقنع. فالممثل حين يؤدي شخصية الجلاد لا يستعير قسوته من تجربة شخصية، بل من مخزون إنساني عام يتغذى على الخوف والسلطة والرغبة في الهيمنة، وهي مشاعر موجودة بدرجات متفاوتة في النفس البشرية.
لكن الأمر لا يتوقف عند الجانب النفسي للممثل وحده. فالأدوار السلبية – في الغالب – تمنح الممثل مساحة أوسع لإظهار قدراته، لأنها شخصيات مركبة، تتقاطع فيها السلطة مع الهشاشة، والقوة مع الرعب الكامن في الداخل. ولهذا كثيراً ما يصنع دور الشر شهرة ممثل أو يرسخ حضوره في ذاكرة الجمهور.
في الدراما العراقية ظهرت نماذج استطاعت أن تقدم شخصية الضابط الأمني بقدر عالٍ من الإقناع والاحتراف، دون أن تقع في فخ الأداء السطحي أو المبالغة المجانية. من بين هؤلاء الممثلين يبرز حضور الفنان زياد الهلالي الذي قدم شخصية رجل الأمن ببرود محسوب، يعتمد على الصراع الداخلي والنظرة الصامتة أكثر من الصراخ، وعلى الإيماءة الدقيقة أكثر من الحركة المفتعلة، مما منح الشخصية بعداً نفسياً عميقاً.
كما استطاع الفنان ضياء الدين سامي أن يقدم هذا النموذج من الشخصيات بأسلوب مختلف، حيث يمزج بين الصرامة الظاهرة والدهاء الداخلي، ليخلق ضابطاً يبدو هادئاً في الظاهر لكنه يحمل في داخله سلطة لا تقل قسوة.
أما الفنان الشاب سرمد الطائي فقد تميز بقدرته على تجسيد التوتر الداخلي للشخصية الأمنية، إذ يظهر الضابط عنده ككائن يعيش صراعاً خفياً بين ما يمثله من سلطة وما يعتمل في داخله من شكوك أو ارتباك، وهو ما يمنح الشخصية عمقاً إنسانياً يتجاوز الصورة النمطية للجلاد.
ويأتي حضور الفنان محمد علي كريم والفنان مرتضى حنيص ليؤكدا أن الأداء المقنع في مثل هذه الأدوار لا يقوم على القسوة الظاهرة فقط، بل على بناء شخصية لها إيقاعها الخاص في الكلام والحركة والنظرة، بحيث يشعر المشاهد أنه أمام شخصية حقيقية وليست مجرد نموذج درامي.
ومع ذلك يبقى السؤال الأكبر موجهاً إلى الدراما نفسها: لماذا هذا الإلحاح المتكرر على استعادة ذاكرة القمع في المجتمع العراقي؟
إن المجتمع الذي عاش عقوداً طويلة من الخوف والسجون والمطاردات يحمل في ذاكرته الجمعية صوراً مؤلمة لم تندمل بعد. والدراما، بطبيعتها، تميل إلى استحضار هذه الذاكرة لأنها مادة درامية كثيفة ومشحونة بالعاطفة.
غير أن الفن لا يكتفي باستحضار الألم، بل يفترض به أن يضيء الطريق نحو فهمه وتجاوزه.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى دراما لا تكتفي بكشف القسوة، بل تبحث أيضاً عن الإنسان الذي قاومها، وعن القيم التي استطاعت أن تبقي المجتمع حياً رغم كل ما مر به من محن. فالفن الكبير لا يصور الظلام فقط، بل يكشف كذلك عن تلك الشرارة الصغيرة من الضوء التي تجعل الحياة ممكنة.
عزيز جبر الساعدي.




















