مكاشفة  فاضل معلة… من صالونات النجف الفكرية إلى مجلس النواب صوتًا للوطن. 

حسين صادق3 أغسطس 2026آخر تحديث :
مكاشفة  فاضل معلة… من صالونات النجف الفكرية إلى مجلس النواب صوتًا للوطن. 

مكاشفة

فاضل معلة… من صالونات النجف الفكرية إلى مجلس النواب صوتًا للوطن.

هاتف الثلج

من الأصوات الوطنية التي لم تتعامل مع الوطن بوصفه جغرافيا قابلة للتفاوض، بل بوصفه ضميراً أخلاقياً لا يجوز أن يخون نفسه، يبرز اسم فاضل معلة بوصفه واحداً من أولئك الرجال الذين أدركوا مبكراً أن السياسة ليست مهنة للنفوذ، وإنما مسؤولية ثقيلة يحملها من يؤمن بأن الكلمة إذا خرجت من قلبها الوطني تحولت إلى قوة تغير مصائر الشعوب. لم يكن حضوره في الحياة العامة مجرد مشاركة في زمن سياسي مضطرب، بل كان محاولة واعية لإعادة الاعتبار للعقل العراقي وهو يبحث عن طريقه بين الاستعمار والتبعية والانقسامات، فكان صوته امتداداً لذلك الجيل الذي آمن بأن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن النهضة لا تصنعها الشعارات بقدر ما يصنعها الفكر الحر والضمير اليقظ والإرادة التي لا تنحني أمام المغريات ولا أمام الخوف.

ولد فاضل معلة في مدينة النجف سنة 1920، المدينة التي لم تكن مجرد فضاء ديني، وإنما كانت أيضاً مصنعاً دائماً للأسئلة الكبرى، ومختبراً حقيقياً للأفكار والحوارات، وفيها تشكلت شخصيته الأولى بين إرث روحي عريق وحراك فكري متجدد. وينتمي إلى عائلة عريقة من قبيلة طي القحطانية، وهي عائلة لها شرف سدانة المرقد العلوي الشريف، وهو انتماء لم يكن بالنسبة إليه مدعاة للتفاخر الاجتماعي بقدر ما كان مسؤولية أخلاقية جعلته أكثر قرباً من قيم الخدمة والوفاء والصدق. فالبيئات التي تنشئ الإنسان على احترام الرموز الروحية تمنحه، في الغالب، حساً عالياً بالواجب، وهو ما انعكس لاحقاً في سلوكه السياسي والاجتماعي والإنساني.

تلقى تعليمه في مدرسة غازي الابتدائية، ثم واصل دراسته في ثانوية النجف، وهناك بدأت ملامح شخصيته الفكرية تتبلور بصورة واضحة. لم يكن طالباً يبحث عن النجاح المدرسي وحده، بل كان قارئاً نهماً يرى في الكتاب نافذة تطل على العالم بأسره، فمال إلى الدراسات الاقتصادية لأنها تكشف له حركة المجتمعات وقوانين العدالة والاختلال، وانفتح على مؤلفات المستشرقين والقراءات الفكرية الحديثة، لا بدافع التقليد، وإنما بدافع الفهم والمقارنة والنقد، فالعقل الحر لا يخشى الأفكار، بل يخشى الجهل بها. لقد كان يؤمن بأن الثقافة لا تعرف الحدود، وأن الحقيقة لا تولد من الانغلاق، وإنما من الحوار بين التجارب الإنسانية المختلفة، ولذلك ظل الكتاب بالنسبة إليه وطناً آخر لا تحده الجغرافيا.

ولأن الفكر لا ينمو في العزلة، فقد واظب على حضور المجالس والجمعيات الأدبية، كما كان من رواد الصالونات السياسية والاجتماعية التي كانت تجمع الأدباء والمثقفين وأصحاب الرأي، وهناك مارس أجمل أشكال الديمقراطية الثقافية، حيث تتلاقى العقول قبل المصالح، وتتحاور الأفكار قبل أن تتصارع المواقف. وكان يدرك أن الأمم التي تتوقف عن الحوار تبدأ رحلتها نحو الانحدار، وأن الثقافة ليست ترفاً يمارسه المثقفون، بل ضرورة وجودية تحمي المجتمع من الاستبداد والتطرف والانغلاق.

اختار دراسة القانون ليكون محامياً، ولم يكن القانون بالنسبة إليه نصوصاً جامدة تحفظ في المحاكم، بل كان فلسفة للعدالة ووسيلة للدفاع عن الإنسان. فالمحامي الحقيقي لا يرافع عن الأشخاص فقط، وإنما يرافع عن القيم أيضاً، ولذلك ظل يرى أن العدالة ليست حكماً يصدر، وإنما ضميراً يسكن الدولة والمجتمع معاً. ومن هذا الوعي انطلقت مواقفه الوطنية التي جعلته قريباً من الناس، مؤمناً بأن الحقوق لا تمنح، بل تنتزع عبر الوعي والنضال السلمي والإيمان العميق بكرامة الإنسان.

ولأن الوطنية عنده لم تكن خطاباً سياسياً مؤقتاً، فقد انخرط مبكراً في العمل العام، وساهم في افتتاح فرع لجمعية حماية الأطفال في النجف، في إيمان واضح بأن مستقبل الأوطان يبدأ من حماية طفولتها. فالطفل الذي يجد الرعاية يتحول إلى مواطن صالح، أما الطفل الذي يترك للفقر والجهل والخوف فإنه يصبح ضحية مجتمع أخفق في أداء واجبه الأخلاقي. ولذلك كان ينظر إلى العمل الاجتماعي بوصفه وجهاً آخر للعمل الوطني، لأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن.

كما تولى مسؤولية إدارة مجلة الاعتدال النجفية، وهو اختيار يحمل دلالة عميقة، فالاعتدال ليس موقفاً وسطياً ضعيفاً، وإنما هو أعلى درجات الحكمة حين ينجح الإنسان في حماية العقل من التطرف، والحرية من الفوضى، والإيمان من التعصب. وكانت الصحافة بالنسبة إليه منبراً لتربية الوعي، لا وسيلة لإثارة الضجيج، فالكلمة التي لا تبني الإنسان تتحول إلى عبء على المجتمع، أما الكلمة الحرة فإنها تظل قادرة على هزيمة الصمت مهما اشتدت قبضة الاستبداد.

وكان من المؤسسين لحزب الاستقلال سنة 1946، ثم أسهم في تأسيس حزب الأمة الاشتراكي سنة 1951، قبل أن يصبح رئيساً لفرع حزب الاستقلال في النجف. ولم يكن انتقاله بين هذه التجارب السياسية بحثاً عن موقع شخصي، بل كان انعكاساً لحيوية عقله وإيمانه بأن السياسة ينبغي أن تظل في خدمة الوطن لا في خدمة الأشخاص. لقد كان يرى أن الأحزاب وسائل للإصلاح وليست غايات بحد ذاتها، وأن قيمة أي تنظيم سياسي تقاس بقدرته على حماية الإنسان والدفاع عن سيادة الوطن وترسيخ العدالة الاجتماعية.

وفي مجلس النواب كان أحد الأصوات الوطنية البارزة، لا لأنه كان يجيد الخطابة فحسب، بل لأنه كان يحمل قضية يؤمن بها. فالبرلمان الحقيقي لا يحتاج إلى كثرة الأصوات بقدر حاجته إلى صدقها، لأن الصوت الذي يولد من الضمير يبقى حياً حتى بعد أن يغيب صاحبه، بينما تموت آلاف الكلمات إذا خرجت من أفواه لا تؤمن بما تقول. ولهذا بقي اسمه مرتبطاً بالمواقف الوطنية التي قدم فيها العراق على كل اعتبار آخر، وجعل من العمل النيابي رسالة أخلاقية قبل أن يكون وظيفة سياسية.

كان فاضل معلة شخصية متنورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ يؤمن بالعقل، ويحترم المعرفة، وينفتح على الآخر دون أن يفقد هويته، ويقرأ الماضي ليصنع المستقبل لا ليعيش أسيراً له. وقد أثبت أن التنوير لا يعني القطيعة مع الجذور، وإنما يعني أن نجعل من الجذور قوة تدفع الأغصان إلى السماء. فالإنسان الذي يعرف تاريخه جيداً لا يخاف من المستقبل، لأنه يدرك أن الحضارات لا تستمر إلا إذا امتلكت شجاعة التجدد.

وفي حياته الخاصة ترك إرثاً إنسانياً وثقافياً امتد إلى أسرته، وهو والد الصديق العزيز الدكتور حسنين، في صورة تؤكد أن الرسالة الفكرية لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تستمر عبر الأجيال التي تحمل قيمهم وتعيد إنتاجها في صور جديدة. فالآباء الحقيقيون لا يورثون أبناءهم الأسماء وحدها، وإنما يورثونهم احترام الإنسان، ونبل الموقف، وشرف الانتماء، وهي الثروة الوحيدة التي لا تنقص مهما تقاسمتها الأجيال.

رحل فاضل معلة سنة 1979، لكن بعض الرجال لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات، وإنما بما يتركونه في ذاكرة الأوطان. فهناك من يعيش طويلاً ولا يترك سوى اسمه في سجل النفوس، وهناك من يغادر الدنيا ويترك في ضمير الوطن صفحات لا تمحى. وكان فاضل معلة من هذا الصنف النادر الذي فهم أن الوطن لا يحتاج إلى أبطال يصنعون الأساطير، بل يحتاج إلى رجال يصنعون الثقة بين الإنسان وأرضه، وبين المواطن ودولته، وبين الكلمة وضميرها. ولذلك سيظل اسمه جزءاً من الذاكرة الوطنية العراقية، لا لأنه شغل منصباً أو حمل لقباً، وإنما لأنه آمن بأن الإنسان حين يخلص لوطنه يصبح هو نفسه وطناً صغيراً يسكن في قلوب الناس، ولا يغادرها أبداً.

 

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق