*جزيرة الراشدية: كيف صنع رامسفيلد مدير مخابرات العراق فوق مائدة عدنان خير الله*

حسين صادق16 سبتمبر 2026آخر تحديث :
*جزيرة الراشدية: كيف صنع رامسفيلد مدير مخابرات العراق فوق مائدة عدنان خير الله*

*جزيرة الراشدية: كيف صنع رامسفيلد مدير مخابرات العراق فوق مائدة عدنان خير الله*

بقلم الكابتن نمير الجنابي

أنا كنت ظل عدنان خير الله… وزير الدفاع… صديق العمر… أرافقه كظله، لا أفارقه في حل وترحال.

 

في شتاء عام 1984، وصل دونالد رامسفيلد إلى بغداد في زيارته الثانية. لم تكن زيارة بروتوكول… كانت زيارة صفقات كبرى… أسلحة وخرائط وأنابيب نفط ترسم من جديد… *كانت زيارة لزرع رجل للمستقبل…*

 

دعوة غداء…

لم تكن في القصر الجمهوري… كان في مزرعة عدنان خيرالله ،على ضفاف دجلة في الراشدية.

 

في وسط دجلة، جزيرة مستطيلة عجيبة… لا تغرق أبداً… حتى في موسم الفيضان تبقى شامخة. بنى عليها عدنان مدرجاً للطائرات الخفيفة… وساحة وقوف.

كنا أربعة فقط حول المائدة:

أنا، وعدنان، ومحمد عبد الله الشهواني، والضيف الكبير… رامسفيلد… *ثعلب البنتاغون.*

 

عدنان يتحدث الإنجليزية بطلاقة الضباط الكبار المثقفين… وقدم الشهواني لرامسفيلد بفخر:

_”هذا من خيرة رجالي”_

 

ثم أراد عدنان أن يبهر الأمريكي…

 

نظر إلى الشهواني وقال: “استعرض”

 

قام الشهواني، ذلك الفهد الأسمر، وخلع البيرية العسكرية… القبعة… ورماها على الأرض… على بعد أمتار قليلة من كرسي رامسفيلد…

 

ثم ركض نحو الزورق… عبر إلى الجزيرة الوسطية… أقلع بطائرة صغيرة… وبدأ عرضاً بهلوانياً مجنوناً فوق دجلة… يعلو ويهبط… ينقلب… *كأنه يرقص مع الموت.*

 

وفجأة… قفز.

 

مظلة واحدة في سماء بغداد الشتوية… من ارتفاع شاهق… ومن مسافة بعيدة عن المزرعة… راح يقترب… يقترب… والرياح تلعب به… حتى هبط… بمنتهى الدقة والاحتراف… ووضع قدمه اليمنى فوق البيرية… فوق القبعة التي رماها قرب كرسي رامسفيلد.

 

سكت النهر…

 

*سكت دجلة نفسه ليشهد الميلاد.*

لكن وقف رامسفيلد ليصفق للشهواني

نظر رامسفيلد إلى الشهواني نظرة لن أنساها ما حييت… نظرة صياد وجد فريسته… نظرة رجل مخابرات يختار رجله للزمن القادم… *نظرة تقول: وجدته.*

 

_من تلك اللحظة، وضع رامسفيلد عينه على محمد عبد الله الشهواني… ووضع الشهواني قدمه في تاريخ العراق القادم._

 

ليلة المسدس والموقد

 

دارت الأيام… وأنا لا أعلم ما يجري خلف الكواليس.

 

وفي إحدى ليالي الشتاء القارس، اتصل بي المرحوم عدنان… صوته متعب… صوت رجل يعرف نهايته:

“تعال الآن إلى داري… فوراً”

 

ذهبت… وجدته مهموماً… قال لي: “اذهب واجلب محمد عبد الله من داره إلى بيت الدكتور حسن الخضيري”

 

لم أكن أعرف عنوان الشهواني… فأرسل معي عدنان أمين سره… رجلاً غريباً… عبد من عبيد دار توفيق السويدي… عائلة السويدي أهدت هذا العبد لعدنان… وبنى له داراً ملاصقة لقصره مقابل مستشفى اليرموك.

 

وهذا العبد وحده سيدي، كان الوحيد في العراق الذي يتجرأ في مجلس وزير الدفاع… أمام كبار القادة… يصب لنفسه كأساً ويرفعها ويقول للوزير: “بصحتك سيدي”… كان مدلل عدنان… صندوق أسراره… *وكان الشاهد الأخرس على سقوط دولة.*

 

عثرنا على محمد عبد الله… كان وحيداً… محطماً… جالساً في مطبخه… وأمامه عدد من زجاجات النبيذ… قد أُهينت كرامته العسكرية… طرد بطريقة مهينة… *طرد الفارس من سربه.*

 

أخذناه إلى دار الدكتور حسن الخضيري… كان عدنان بانتظارنا… وهات يا شرب… شربنا حتى ثمل الحزن… حتى سكرت الذكريات.

 

وفجأة… أخرج عدنان مسدسه الشخصي… وصوبه نحو الموقد… وأفرغ فيه كل رصاصاته… طلقة… طلقة… طلقة… *كأنه يعدم العراق نفسه.*

 

تهدم الموقد بالكامل… وتطايرت النيران والرماد في أرجاء الغرفة…

 

كان يريد أن يقول لنا بلا كلام: _هكذا سيكون مصير العراق… سينهار… وستنتشر نيرانه في كل مكان… وسيحرقنا جميعاً._

 

بعد أن أفرغ المسدس… قدمه هدية للشهواني… مسدس وزير الدفاع… *سلم الراية…*

 

وغص الاثنان بالدموع… تعانقا… وتشامما كما يتشامم الإخوة العرب قبل الإعدام… وقال عدنان وهو يبكي:

 

“لا أستطيع أن أفعل شيئاً… إبعادك عن الجيش بأمر من صدام… صدام لا يريد رجالاً أقوياء حولي…”

 

رد الشهواني والدمع في عينيه:

“أعرف يا سيدي… لكن إعفائي صدر بطريقة مهينة… مهينة لا تليق بجندي خدم العراق بدمه…”

 

لماذا بيت حسن الخضيري؟

 

يسأل سائل… لماذا اختار عدنان بيت الدكتور حسن الخضيري للقاء السري؟

 

الجواب سيدي عندي أنا…

 

بعد إعفاء برزان التكريتي أخيه من رئاسة المخابرات، جمع صدام القيادة وقال لهم:

“ربما ترغبون بمعرفة قراري بإعفاء برزان… السبب… اكتشفته يتجسس على هواتف وزير الدفاع عدنان… هواتفي الشخصية”

 

ارتعب الجميع في تلك الجلسة… *حتى الجدران ارتعدت.*

 

فعلم عدنان أن كل بيوت الدولة مراقبة… حتى غرفة نومه… فاختار بيت طبيبه الخاص… البيت الوحيد الآمن… بعيداً عن عيون المخابرات… *ليبكي فيه سقوطه.*

 

وبقي ابن الشهواني… أنمار… الطيار على طائرة PC-9… هو الوحيد المقرب من عدنان… حتى عندما اعتزل عدنان وذهب إلى قصره في الموصل غاضباً أثناء الحرب… كان لا يثق إلا بأنمار يجلب له احتياجاته من بغداد… *كان الابن الذي لم ينجبه.*

 

الخاتمة التي كتبها الدم

 

توفي عدنان… مات في حادث الطائرة المشبوه… *مات وسره معه…*

 

بعدها بأسبوع واحد فقط… غادر محمد الشهواني إلى الأردن… إلى المنفى… كأنه كان ينتظر الإشارة.

 

وانقطعت أخباره عني…

 

وفي عام 1993، كان ابن عمي ثائر رئيس قسم الحاسبات في رئاسة أركان الجيش… ذهب بدورة إلى الأردن… وهناك كلفه أنمار الشهواني بنقل رسالة إلى أبيه في عمان…

 

ودعا الشهواني ضباط الدورة على مأدبة غداء في عمان… وهنا بدأت المصيبة الكبرى…

 

عاد ابن عمي ثائر إلى بغداد… وفي اليوم الثاني… استدعته الاستخبارات العسكرية… وهناك… نسي كل ما تعلمه في دورة الحاسبات… وحل ضيفاً مكرماً في أقبيتهم… في جحيم الشعبة الخامسة…

 

من أنقذه من حبل المشنقة؟!

شفع له أمين سر المكتب العسكري… علاء الجنابي… لأن ابن عمي متزوج من ابنة أخيه… *ولولا تلك المصاهرة لكان اليوم عظمة في مقبرة جماعية.*

 

أما أولاد الشهواني… ففي عام 1996… تم إعدامهم… شنقاً… بتهمة محاولة الانقلاب… *أُعدموا لأن أباهم وضع قدمه على بيرية قرب كرسي رامسفيلد.*

 

وجاء عام 2003… وسقط كل شيء… سقطت بغداد… وسقط القصر… وسقطت الجزيرة…

 

وعاد رامسفيلد… وزير الدفاع الأمريكي… الرجل الذي كان جالساً في مزرعة الراشدية… يشاهد قدماً تهبط على بيرية…

 

عاد ليبحث عن ذلك الرجل صاحب القدم…

 

فأعاده… ونصبه مديراً لجهاز المخابرات العراقية الجديد… من 2004 حتى 2009… *من جزيرة الراشدية إلى المنطقة الخضراء… الرحلة اكتملت.*

 

_اكتملت الدائرة سيدي…

من جزيرة صغيرة لا تغرق في دجلة… إلى مبنى المخابرات في بغداد المحتلة…

من استعراض مظلي… إلى حكم بلد…

 

وأنا كنت هناك… في البداية… ولم أكن هناك… في النهاية…

شاهد على كيف تصنع أمريكا رجالها… وكيف تبيع رجالها… وكيف تعيد شراءهم…

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق