لحظات لاتعود !!
وسن زيدان
في لحظات الحياة، كثيراً ما نغفل عن حقيقة بسيطة ، أننا نعيش في زمن تسيطر عليه السرعة، وتُطغى فيه مشاغلنا اليومية على مشاعرنا، فتغيب اللحظات الحقيقية التي تبني روابطنا الإنسانية. نتسرع في الكلمات، ونتأخر في المشاعر، ونعبر عن حبنا بعد فوات الأوان. لا ندرك عمق تلك اللحظات التي تترك بصمتها في حياتنا إلا عندما نكون أمام فراق، أو مواجهة لحظة فقد أو خسارة، كأننا نكتشف الحقيقة المرة: أن ما نحتاجه قد فات، وأن ما كانت له قيمة عظيمة أصبح جزءاً من الماضي.
إن الحب الحقيقي لا يظهر إلا عندما يشتد الفراق، ويجد الإنسان نفسه في مطار، ينتظر الرحيل أو اللقاء، لحظة واحدة فيها قد تختصر سنوات من الحب. تلك اللحظة التي يتجمع فيها الأمل والدموع، وتنطلق من الأعماق كلمات لم تُقال من قبل، لكنها تعكس كل شيء عن ذلك الحب العميق الذي لم يُعبّر عنه في الوقت المناسب.
أما الندم الحقيقي فيظهر، دون سابق إنذار، في المقابر ، حيث لا أمل في العودة ولا فرصة لإصلاح ما كان يجب أن يُقال، أو ما كان من المفترض أن يُفعل. هنا، لا يتسع المجال للكلمات، فالموت ينهي كل شيء. ما كان يوماً حياة، أصبح الآن مجرد ذكرى، ولسان الحال يقول: “يا ليتنا فهمنا في الوقت الصحيح.”
وفي الجنازات، تتساقط الدموع على الوجوه المحطمة. تلك الدموع التي تُظهر الحزن العميق على الفقد، والتي ربما كانت تُمثل خيبة الأمل في تجاهلنا للأشياء الصغيرة التي كنا نعتبرها تافهة في حياتنا اليومية. ولكن حينما يتناثر الغياب، وتفقد الجنازة من كانوا معنا، تظهر دموعنا وكأنها تعبير عن ندمي على كل لحظة لم نقدر فيها المشاعر أو الكلمات.
وفي المستشفى، حيث يقف الإنسان عاجزاً أمام مرض أو عجز، نسمع الدعوات الصادقة التي تخرج من الأعماق. إن الدعاء هنا ليس مجرد كلمات ، حيث انه تعبير عن رغبة حقيقية في الشفاء، وفي العودة إلى الحياة بعد تجربة قاسية. في المستشفى، نجد كيف أن الإنسان يعيد ترتيب أولوياته، ويفكر في ما كان يهمه، ليجد أن قيمة الحياة نفسها تتجلى في اللحظات التي لم نُعطها حقها من التقدير.
هذه اللحظات ليست مجرد مواقف عابرة، وانما هي تذكير لنا جميعاً بأن الحياة لا تعطي فرصة للندم، وأن الأوقات التي نعيشها هي التي تُحدد قيمة مشاعرنا وكلماتنا. علينا أن نتعلم كيف نقدر اللحظات الجميلة وأن نكون حاضرين في حياة من نحبهم قبل أن يُغيبهم الزمن، فنجد أنفسنا في مطارات الفراق أو على أبواب المقابر لا نملك سوى كلمات ندم لا تُجدي. الحياة قصيرة، والمشاعر أغلى من أن تُبَخَّر في زحمة الوقت. علينا أن نتعلم أن نقول ما يجب قوله في الوقت المناسب، لأن الأشياء الجميلة التي تأتي متأخرة لا تُعيد الحياة للأيام الضائعة.
“لحظات لا تعود” هي دعوة لكل منا أن يعيش الحياة بأقصى ما يمكن من الحب والتقدير في كل لحظة، فلا نعلم متى ستكون اللحظة الأخيرة..



















