قفزة جنونية للدولار فوق الـ 168 ألفاً.. من يحرك سعر الصرف في العراق؟
المحامي والخبير القضائي
غازي عناد غيلان
المحلية في البصرة وسائر المحافظات العراقية تطوراً بالغ الخطورة، تمثل في قفزة أسعار تداول الدولار في السوق الموازية لتلامس مستويات قياسية متجاوزة 168 ألف دينار لكل 100 دولار. هذه الموجة التصعيدية جاءت تعقيباً على القرار الحكومي والبنك المركزي باعتماد سعر صرف رسمي جديد للعملة ليصبح 1520 ديناراً للدولار الواحد، مما أشعل موجة هلع ومضاربات محمومة أثارت تساؤلات ملحة في الشارع التجاري عن تداعيات هذا الارتفاع على حركة الأسواق والقدرة الشرائية للمواطنين.
من الناحية الدستورية والقانونية الصرفة، تُحسم مسألة تحديد سعر الصرف لصالح البنك المركزي العراقي حصراً. استناداً إلى قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، يُعد البنك مؤسسة مستقلة تماماً ومالكة للاختصاص التنظيمي والفني الحصري في إدارة السياسة النقدية وسعر الصرف. وبالتالي، لا يملك مجلس النواب أو أي جهة أخرى صلاحية إدارية مباشرة لفرض سعر صرف معين أو تعديله بقلم التشريع المنفرد بمعزل عن إدارة البنك، برغم أن الأسواق الموازية شهدت اضطراباً واسعاً نتيجة استغلال المضاربين لحالة التخبط والتحوط التجاري المكثف.
أما على صعيد دور السلطة التشريعية، فالبرلمان لا يمتلك “زر التخفيض المباشر” للدولار بقوة القانون، لكنه يمتلك أقوى ترسانة رقابية وسياسية تتمثل في الاستجوابات الساخنة، واستدعاء محافظ البنك المركزي، فضلاً عن ورقة الضغط الكبرى المتمثلة في قوانين الموازنة والتمويل العام. هذه الأدوات تضع السلطة التنفيذية أمام حرج سياسي بالغ، وغالباً ما تتحول إلى ضغط غير مباشر يدفع صناع القرار لمراجعة السياسات النقدية، مما يؤكد أن استقرار الاقتصاد يتطلب تكاملاً حقيقياً بين استقلالية المؤسسات النقدية ورقابة الشارع والبرلمان.
وقد ألقت هذه التطورات بظلالها الثقيلة على الواقع المعيشي، لتفرز تداعيات كارثية تمثلت في ركود غير مسبوق في الأسواق التجارية، وتوقف حركة البيع والشراء في قطاعات حيوية كالأسواق العقارية والبضائع المستوردة. فمع تآكل القوة الشرائية للدينار العراقي وعزوف المواطنين عن الإنفاق إلا في الضروريات القصوى، وجدت المحال التجارية والشركات المحلية نفسها محاصرة بين ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف السيولة، مما جعل الاقتصاد المحلي يدفع الفادح من أثمان هذا التخبط بين القرارات النقدية واختناقات الأسواق…



















