فصل العناوين و حماية الدولة
د. عبد الباري الحمداني
ماجرى مؤخراً، أياً كانت دوافعه المعلنة، يجب أن يوضع في حجمه الطبيعي. هو فعل فردي، أو في أحسن الأحوال تعبير جماعي شعبي عفوي، ولا يمكن بأي حال أن يُحسب على الدولة العراقية ومؤسساتها ومواقفها الرسمية.
الدولة العراقية لها قنواتها الدبلوماسية والسياسية الملتزمة بحماية البعثات والمصالح وبالاتفاقيات الدولية، وهذا ما أكدت عليه الحكومة في أكثر من مناسبة. مثل هذه الأفعال، وإن كانت تنطلق من حماسة، إلا أنها تكشف عن عدم إلمام أصحابها بقواعد العمل الدبلوماسي وإدارة العلاقات الدولية، حيث تدار المصالح السيادية الكبرى بالتفاوض والحساب الدقيق، لا بردود الفعل المتسرعة التي قد تكلف الدولة أكثر مما تخدمها.
وفي هذا السياق، من المهم التمييز الواضح بين التصرفات الشعبية غير المنضبطة وبين مؤسسة رسمية منضبطة كـ مؤسسة الحشد الشعبي. الحشد مؤسسة عسكرية أمنية رسمية، جزء من منظومة الدولة، مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، ومنضبطة بقانون وتسلسل قيادي واضح. ولا يمكن تحميل مؤسسة بحجم وتضحيات الحشد مسؤولية تصرفات لم تصدر عن قيادتها ولا عن هيئتها الرسمية. إقحام اسم الحشد في كل حدث شعبي هو ظلم للمؤسسة ومحاولة لإضعاف صورتها كمؤسسة دولة.
ولعل توقيت هذا الفعل يفتح الباب لقراءة أعمق. فهو يأتي في لحظة حساسة جداً، مع اقتراب حسم قانون الحشد الشعبي الذي ينظم حقوق منتسبيه.
ويكرس رسميته، ومع تصاعد الحديث الجدي عن جدولة خروج القوات الأجنبية من العراق. ومن المشروع التساؤل، بهدوء، عمن المستفيد من تعكير هذا المسار؟
هناك من في الداخل لا يريد لهذا القانون أن يمر، لأنه لا يريد لمؤسسة وطنية أن تستقر وتتثبت حقوقها. وهناك من في الخارج لا يريد لملف خروج القوات الأجنبية أن ينجح، لأنه يريد إبقاء العراق ساحة مفتوحة للضغوط والابتزاز. قد تكون هذه الأفعال غير المحسوبة هي بالضبط ما يبحث عنه هؤلاء: ذريعة جاهزة لتعطيل القوانين السيادية وإبقاء العراق تحت عنوان الفوضى وعدم الجاهزية.
العراق اليوم لا يحتاج إلى من يزايد عليه بالشعارات، بل إلى من يحمي مساره القانوني بوعي. المزايدة الحماسية قد تبدو وطنية في ظاهرها، لكنها في حسابات السياسة قد تقدم خدمة مجانية لمن يتربص بسيادة هذا البلد ومؤسساته.




















