عشرون عاماً من المحاصصة ماذا بقي من فكرة الدولة
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”
في صباح كل يوم يخرج المواطن إلى عمله أو جامعته أو سوقه حاملاً هوية واحدة مكتوبة في أوراقه الرسمية لكنه يصطدم في كثير من الأحيان بواقع سياسي واجتماعي يفرض هويات فرعية تتقدم على هوية الوطن فخلال أكثر من عقدين، تحولت المحاصصة الحزبية من آلية لإدارة التوازنات السياسية إلى ثقافة أثرت في مؤسسات الدولة وطبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة حتى أصبح الحديث عن الهوية الوطنية العراقية مرتبطاً مباشرةً بالحديث عن مستقبل هذا النظام السياسي بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه السياسي قامت على مبدأ توزيع المناصب والسلطات بين القوى السياسية المختلفة بهدف تحقيق المشاركة ومنع احتكار السلطة وفي بداياتها قُدمت المحاصصة بوصفها حلاً مؤقتاً لمرحلة انتقالية معقدة إلا أن السنوات اللاحقة حولتها إلى قاعدة شبه ثابتة في تشكيل الحكومات وإدارة المؤسسات ومع مرور الوقت بدأت آثار هذه المعادلة تظهر بوضوح على أداء الدولة فالمنصب في كثير من الأحيان أصبح يُنظر إليه من زاوية الانتماء السياسي أكثر من الكفاءة والخبرة الأمر الذي انعكس على فاعلية المؤسسات العامة وقدرتها على تقديم الخدمات
كما ساهم هذا الواقع في تعزيز الانقسامات السياسية والاجتماعية إذ بات المواطن يشعر أحياناً أن انتماءه الحزبي أو الفئوي أكثر تأثيراً من انتمائه الوطني في الحصول على الفرص أو الوصول إلى مراكز القرار
أزمة الهوية الوطنية لا تتعلق بالشعارات والخطابات فقط وإنما ترتبط بإحساس المواطن بالانتماء إلى دولة عادلة تقف على مسافة واحدة من الجميع وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات وتُفسر القرارات من منظور الانتماءات السياسية الضيقة تضعف المساحة المشتركة التي تجمع أبناء الوطن الواحد وتتراجع فكرة المواطنة لصالح الولاءات الفرعية
فإن المجتمع العراقي أثبت في أكثر من محطة أنه يمتلك رصيداً وطنياً كبيراً يتجاوز الانقسامات السياسية فقد شهدت البلاد مواقف عديدة اجتمع فيها العراقيون حول قضايا وطنية وإنسانية ومصيرية وهو ما يؤكد أن الهوية الوطنية ما تزال حاضرة وقادرة على استعادة دورها متى ما توفرت بيئة سياسية وإدارية تعزز هذا الاتجاه
كما أن التحولات التي يشهدها الجيل الشاب تحمل دلالات مهمة فالكثير من الشباب باتوا يتحدثون بلغة الفرص والتنمية والتعليم والخدمات أكثر من حديثهم بلغة الانقسامات التقليدية
وهذا التحول يعكس رغبة متزايدة في بناء دولة تقوم على الكفاءة والمؤسسات والقانون وتمنح الأولوية للمواطنة بوصفها أساس العلاقة بين الفرد والدولة
إن معالجة أزمة الهوية الوطنية في العراق لا تبدأ بإلغاء التنوع أو تجاهل الخصوصيات الاجتماعية والثقافية وإنما تبدأ ببناء دولة قوية وعادلة يشعر الجميع داخلها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات فالدول الحديثة لا تتماسك بسبب تشابه مكوناتها انما بسبب قوة مؤسساتها وعدالة قوانينها وقدرتها على حماية المصلحة العامة


















