«حلمهم ستوتة… فمن سرق أحلام شباب العراق؟»
بقلم الإعلامي _ثائر الموسوي
لم تعد الستوتة في العراق مجرد وسيلة نقل أو عربة صغيرة يبحث من خلالها شاب عن مصدر رزق؛ لقد تحولت، في بعض المناطق الفقيرة والمتعففة، إلى حلمٍ كامل.
ظاهرة انتشرت كالنار في الهشيم، وخصوصاً في الأحياء الفقيرة والمتجاوزة في بغداد والمحافظات. يناشد أحد الشباب أو أفراد عائلته أحدَ الـ«بلوغرات»، فيأتي هذا الأخير، في مشهد يحظى بمتابعة واسعة، ويحقق له حلمه بمنحه ستوتة يعمل عليها ليعيل أسرته.
لا أحد يستطيع أن ينكر قيمة هذه المبادرات الإنسانية، ولا يمكن أن نلوم من يبحث عن لقمة عيش شريفة بأي وسيلة متاحة. بل على العكس، أن تساعد إنساناً على العمل خيرٌ من أن تتركه أسيراً للفقر والحاجة.
لكن السؤال الأكبر الذي يجب أن نطرحه هو:
كيف أصبح حلم الشاب العراقي أن يحصل على ستوتة؟
كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها امتلاك عربة صغيرة يمثل بالنسبة إلى شابٍ في مقتبل العمر مشروع حياته، ومصدر دخله، وضمان مستقبل أسرته؟
المشكلة ليست في الستوتة، وإنما في غياب البدائل.
أين مؤسسات الدولة التي يفترض أن تضع خططاً حقيقية لتأهيل الشباب وإدخالهم إلى سوق العمل؟ أين مراكز التدريب المهني؟ أين المعاهد والمراكز التي تعلم الشباب المهن والحرف الحديثة؟ أين برامج الدولة التي تربط التدريب بالمعامل والمصانع والشركات وورش الإنتاج؟
نحن نتحدث عن أهم ثروة يمتلكها العراق: شبابه.
الدول التي بنت نهضتها لم تبنها بالنفط وحده، ولم تجعل مستقبل شبابها معلقاً على فرصة مؤقتة أو منحة أو مساعدة من بلوغر. تلك الدول استثمرت في الإنسان؛ علمته، ودربته، وأدخلته إلى المصانع والمعامل وقطاعات التكنولوجيا والزراعة والصناعة والخدمات، وحولته من عاطل عن العمل إلى عنصر منتج في اقتصاد بلده.
أما عندنا، فقد أصبح المشهد مختلفاً.
شاب يحمل شهادة ولا يجد وظيفة، وآخر لا يملك شهادة ولا يجد مركزاً يتعلم فيه مهنة، وثالث يملك القدرة والطاقة لكنه لا يجد رأس المال ولا المؤسسة التي تحتضن مشروعه.
ثم يأتي الحل من خارج مؤسسات الدولة:
«أعطوه ستوتة حتى يشتغل ويعيل عائلته».
وهنا لا بد أن نتوقف.
ماذا سيحدث لهذا الشاب بعد سنوات؟
هل ستبقى الستوتة مشروعه الوحيد؟
هل ستوفر له ضماناً اجتماعياً؟
هل ستؤمن له تقاعداً محترماً عندما يكبر؟
هل ستبني له مستقبلاً مستقراً؟
وماذا عن أولاده وتعليمهم ومستقبلهم؟
نحن لا نريد أن ننتزع الستوتة من يد الفقير، بل نريد أن نضع سلّماً يصعد به من الفقر إلى الاستقرار.
نريد دولة تقول للشاب: تعال، سنعلمك مهنة، وسندربك، وسنساعدك في الحصول على فرصة عمل، وإذا أردت أن تبدأ مشروعك الصغير فسنوفر لك التمويل والتدريب والإرشاد، وإذا عملت سنوات طويلة فسيكون لك تأمين وتقاعد يحفظ كرامتك.
نريد مراكز مهنية حقيقية في كل محافظة، لا مباني تحمل أسماء جميلة وتغلق أبوابها. مراكز تعلم صيانة السيارات، والكهرباء، والتبريد والتكييف، والحدادة، والنجارة، والميكانيك، والبرمجة، والطاقة الشمسية، والزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية وغيرها من المهن التي يحتاجها السوق.
نريد أن تتحول طاقة الشباب من البحث عن من يمنحه ستوتة إلى البحث عن فرصة يصنع بها مستقبله.
والأخطر من ذلك أن تتحول مبادرات البلوغرات، رغم أهميتها الإنسانية، إلى بديل عن الدولة.
فالبلوغَر يستطيع أن يمنح ستوتة لشاب، أو يشتري جهازاً لعائلة، أو يساعد مريضاً، وهذه أعمال تستحق التقدير عندما تكون صادقة ونزيهة؛ لكنه لا يستطيع أن يبني منظومة تشغيل لبلد بأكمله.
الدولة هي التي يجب أن تفعل ذلك.
الدولة التي تمتلك النفط والثروات والموازنات الهائلة، وتملك الوزارات والمؤسسات والهيئات، يجب ألا تجعل المواطن الفقير ينتظر فيديوً على مواقع التواصل حتى تتحرك مشكلته.
ليس عيباً أن يعمل الشاب على ستوتة.
العيب أن يكون هذا هو أقصى ما يستطيع الوطن أن يقدمه لشبابه.
العيب أن يصبح «حلم الستوتة» هو سقف طموح شاب عراقي كان من المفترض أن يحلم بمصنع، أو شركة، أو ورشة كبيرة، أو مشروع زراعي، أو وظيفة مهنية محترمة، أو دراسة جامعية، أو اختراع يرفع اسم العراق.
يا دولة العراق، لا نريد منكم أن تمنحوا شبابنا ستوتات.
امنحوهم الفرصة.
فالفرصة الحقيقية قد تصنع منهم أصحاب معامل وشركات ومشاريع، أما الستوتة فربما تطعم عائلة اليوم، لكنها لا تبني اقتصاد دولة.
حين يصبح حلم الشاب ستوتة، فالمشكلة ليست في حلمه… بل في وطنٍ لم يمنحه فرصةً ليحلم بأكبر منها.




















