العقل المسترد حفريات الفلسفة في نزاعات الراهن السياسي
قراءة نقدية في كتاب “دراسات في الفلسفة السياسية”
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”
1. صخب الشاشات وغياب المعنى
بين صخب الشاشات وغزارة البيانات العاجلة يعيش الإنسان المعاصر في فضاء سياسي فاقد لبوصلته الأخلاقية حيث غُيِّب الجوهر القيمي للفعل السياسي بوصفه بحثاً عن العدالة ليُختزل في هندسة إجرائية وصراعات افتراضية عابرة على منصات التواصل وفي هذا الأفق العاري من المعنى والمعيار يتجلى كتاب”دراسات في الفلسفة السياسية” للمفكر والاكاديمي العراقي الأستاذ الدكتور صباح حمودي نصيف ليحدث رجة فكرية في وعي القارئ هذا الكتاب الصادر في بغداد لا ينتمي إلى تلك الفئة من الأدبيات التي تكتفي بالاجترار التاريخي والنقل المدرسي الجاف لنظريات الحكم وهي السمة التي وصمت مع الأسف الكثير من نتاجاتنا الأكاديمية العربية انما هو منجز يشق طريقاً حفرياً نقدياً يستهدف استنطاق المرجعيات المعرفية المتوارية خلف مفاهيم السلطة والشرعية والعنف والقيمة
يقدم المؤلف مراجعة تفكيكية واسعة يربط فيها بين جغرافيا الفكر الإنساني بشرقها وغربها قديمها وحديثها منطلقاً من فرضية جوهرية مفادها أن السياسة التي تطرد الفلسفة المعيارية من حقلها تتحول حتماً إلى ممارسة عارية من المعنى الأخلاقي وتتحول الدولة في ظلها إلى مجرد آلة لإنتاج العنف المنظم وإدارة المصالح الضيقة للنخب الحاكمة إننا أمام وثيقة نقدية بالغة الأهمية تستحق أن نخرج بها من أسوار الجامعات المغلقة إلى فضاء الصحافة الثقافية الرصينة لنفكك معاً البنية العميقة لهذا المنجز وجدواه في فهم عالمنا المعاصر
2.الصرخة الشتراوسية: مأزق الحداثة والارتداد نحو الفضيلة القديمة
يفتتح الكتاب مغامرته الفكرية الفصل الأول مستدعياً الأفق المعرفي للفيلسوف الألماني-الأمريكي ليو شتراوس
واختيار شتراوس كبوابة للكتاب يحمل ذكاءً منهجياً حذراً فشتراوس يمثل جبهة الرفض النقدي والوجودي العواقب الفانية والنسبية التي أنتجتها الحداثة الغربية يفكك المؤلف الأطروحة الشتراوسية مبيناً أن أزمة الحداثة السياسية تكمن في تخليها عن “الفلسفة السياسية الكلاسيكية المعيارية” وتحولها إلى “علم سياسة إجرائي” وضعي هذه القطيعة الإبستمولوجية قلت بؤرة الاهتمام من السؤال المعياري الأخلاقي: كيف ينبغي أن يعيش الإنسان حراً وفاضلاً؟ إلى السؤال الإجرائي الميكانيكي:كيف تُكتسب السلطة وتُدار القوة؟
يوضح أن هذا التحول الحديث الذي بدأ مع نيكولو ماكيافيلي وتكرس مع توماس هوبز وجون لوك قام على قطيعة مع مفهوم الطبيعة بوصفها غاية ومعياراً أخلاقياً ففي الفلسفة الكلاسيكية عند أفلاطون وأرسطو كان الهدف الأسمى للدولة هو تحقيق الخير العام وتمكين الإنسان من بلوغ كماله الأخلاقي داخل المدينة أما الحداثة فقد خفضت سقف التطلعات الإنسانية إذ استبدلت الفضيلة
بـ “المصلحة” والخير العام بـ الحق الفردي في البقاء البيولوجي مما أدى إلى تحويل السياسة إلى مجرد هندسة اجتماعية باردة لإدارة الصراعات البشرية ومنع العنف الطبيعي وتتجلى غزارة التحليل في هذا المبحث عندما يتابع المؤلف العراقي الكيفية التي أعاد بها شتراوس قراءة الفلسفة السياسية في العصر الوسيط وتحديداً عند الفلاسفة المسلمين كالفارابي واليهود كموسى بن ميمون يوضح الكاتب أن شتراوس وجد في هؤلاء الفلاسفة نموذجاً فريداً استطاع الحفاظ على جوهر الفلسفة المعيارية عبر صهرها في قالب الطبيعة أو الشريعة الإلهية وينقد الدكتور صباح هنا المقاربة الشتراوسية عبر تبيان أن شتراوس كان يبحث عن ملجأ معرفي يحمي الفلسفة من سلطة اللاهوت وسلطة الجماهير في آن واحد وهو ما قاده إلى القول بـ الكتابة النخبوية المزدوجة الأكاديمية المبطنة مقابل الظاهرية الشعبية يخلص هذا الفصل إلى أن أزمة الحداثة الغربية المتمثلة في العدمية والنسبية الأخلاقية الشاملة، هي النتيجة الحتمية لطرد البعد المعياري الأخلاقي من الفلسفة السياسية مما جعل النظم الحديثة عاجزة عن الدفاع عن نفسها قيميّاً أمام النزعات الشمولية والفاشية
3. متخيل “البطل” في الفكر الفلسفي: من قيم الفضيلة إلى مصانع الدعاية
في الفصل الثاني من الكتاب ينتقل إلى مبحث بالغ الأهمية والسعة المعرفية، وهو تفكيك تاريخية البطل في الخطاب الفلسفي لا يتعامل المؤلف مع مفهوم البطل بوصفه ظاهرة أدبية أو أسطورية عابرة انما يدرسه باعتباره مقولة بنيوية وسيكولوجية في الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع المعرفي يقسم الكاتب تجليات هذا المفهوم بدقة إلى ثلاثة مستويات مفاهيمية متداخلة:البطل المنقذ، البطل الملهم، والبطل الشجاع
البطل المنقذ هو الذي يرتبط في الوعي الجمعي بلحظات الأزمات الوجودية والانسدادات التاريخية الكبرى حيث تترقب الجماعة ظهور ذات متفوقة نتشلها من حالة التيه أو الفوضى الطبيعية وهي تمثلات نجد ظلالها في الفلسفة الهوبزية التي ترى في الحاكم التنين (الليفياتان) ضرورة لإنقاذ البشر من حرب الجميع ضد الجميع
أما البطل الملهم فهو صاحب الكاريزما الجاذبة التي تمتلك القدرة على إعادة صياغة الوعي وتأسيس الشرعيات الجديدة معتمداً على فيض قيمي أو معرفي يتجاوز القوانين السائدة وهو ما يقترب من النموذج الفيبري للشرعية الكاريزمية في حين يمثل البطل الشجاع التجسيد العملي لفضيلة الشجاعة الأرسطية الذي ضحي بالذات في سبيل بقاء المجموع وحماية حقول العدالة
بتعمق الدكتور صباح في تحليل كيف تداخلت هذه المفاهيم مع الحكمة القديمة والشرائع الفلسفية والميتافيزيقيا السياسية ويبرز الجانب النقدي في هذا المبحث عندما يوضح الكاتب كيف تقع الفلسفات السياسية أحياناً في فخ صناعة الاستبداد عندما تضفي مسحة تقديسية على القائد أو “الفيلسوف الملك” كما في النموذج الأفلاطوني ينقد الكتاب التحولات التاريخية لهذا المفهوم فالبطل الذي يبدأ كمحفز للتحرر وإرساء الفضيلة يتم اختزاله وتوظيفه أيديولوجياً من قبل الأنظمة الكليانية والسلطوية لإنتاج سيكولوجية الولاء الأعمى هنا تتحول الجماهير من كائنات سياسية فاعلة وشريكة في التدبير إلى رعايا مستلبين ينتظرون الخلاص الخارجي مما يعطل العقل النقدي ويؤسس لبنى طغيانية مستدامة تتغذى على وهم “القائد الملهم” الذي يحتكر الحقيقة والقدرة على الفعل التاريخي والتغيير
4. الفلسفة المسلحة:شرعنة العنف وتقييده في أفق الفارابي
يمثل الفصل الثالث مساهمة أصيلة في نقد الفلسفة الإسلامية الوسيطة إذ يعيد مراجعة متن أبي نصر الفارابي “المعلم الثاني” من زاوية تكاد تكون منسية في الدراسات الأكاديمية العربية التي غالباً ما تكتفي ببحث “المدينة الفاضلة” كطوباوية مجردة أو حلم أفلاطوني بلباس إسلامي يوجه المؤلف مبضع التحليل نحو “فلسفة الحرب والسلم” في النسق الفارابي ليكشف أن الفارابي رغم نزعته الأخلاقية المثالية كان واقعيا وإبستمولوجيا في فهم معطيات الاجتماع الإنساني ولم يغفل مسألة العنف المنظم الكامن في الطبيعة البشرية
يعقد د.صباح تفكيكاَ دقيقاَ للخطاطة التي وضعها الفارابي لتصنيف الحروب ويستعرض الشروط الصارمة التي وضعها المعلم الثاني لكي تكتسب الحرب صفة “الشرعية الأخلاقية” فالحرب في المنظور الفارابي لا يمكن أن تُشن بدافع التوسع الجغرافي أو إشباع شهوة السيطرة والقهر أو نهب ثروات الآخرين إذ يعتبر الفارابي هذه النزعات دليلاً على أفعال”المدن الجاهلية” أو “المدن الضالة” المحكومة بغريزتي الشهوة والغضب العاريتين من العقل بناءً على تفكيك المؤلف تكون الحرب شرعية وعادلة عند الفارابي في ثلاث حالات محددة لا غير: أولها دفع عدوان خارجي يهدد بقاء المدينة الفاضلة وأمن سكانها وثانيها إحقاق حق مغتصب وعودة العدالة التي اختلت بسبب تغول قوى جائرة وثالثها تأديب ومساعدة مجتمعات عاجزة عن إدراك كمالها الإنساني من أجل إيصالها إلى السعادة الحقيقية المقترنة بالعقل والفضيلة
يبرهن النقد المعروض أن هذا التأصيل الفارابي يمثل إرهاصاَ معرفياً متقدماً جداً لما استقر عليه الفكر القانوني والأخلاقي الكوني المعاصر تحت مسمى “نظريات الحرب العادلة” (Just War Theory) التي صاغها لاحقا في الفكر الغربي توماس الأكويني وقيدها هوغو غروشيوس يثبت المؤلف من خلال هذا الفصل أن التراث الفلسفي الإسلامي ليس نصا ميتا انما هو يمتلك أدوات مرجعية حية وقادرة على محاكمة ونقد توحش القوة المعاصرة التي تمارسها القوى الإمبراطورية الحديثة تحت لافتات نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان بينما هي في جوهرها حروب جاهلية توسعية تهدف لإخضاع الشعوب ونهب مقدراتها
5. تشريح داء الطغيان:مناظرة عابرة للأزمنة بين ابن رشد والكواكبي
يعتبر الفصل الرابع بمثابة المركز الثقلي والتحليلي الأعمق في المنجز يعقد المؤلف في هذا الفصل مناظرة فلسفية نقدية فذة ومبتكرة بين قطبين من فترتين تاريخيتين وسياقين لعرفيين مختلفين يفصل بينهما مئات السنين: فيلسوف قرطبة وقاضير ابن رشد ومفكر النهضة السوري عبد الرحمن الكواكبي لا يقف الكاتب عند حدود العرض السطحي انما يغوص في العمق التفكيكي للنص الرشدي وتحديداً في كتابه الشارحة والمفصلي “جوامع سياسة أفلاطون” ويضعه في مواجهة النص الكواكبي الخالد “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”
كشف هذا الفصل عن توافق إبستمولوجي مذهل بين الرجلين في تشريح بنية الطغيان ونتائجه السيكولوجية والاجتماعية يفكك المؤلف هذا الأثر النفسي الوجودي المشترك عبر محورين أساسيين
المحور الأول يتعلق بـ”تدمير الطبيعة البشرية” حيث يوضح المتن كيف أن ابن رشد يرى في نظام وحدانية السلطة وهو المصطلح الذي استخدمه ابن رشد للتعبير عن حكم الفرد المستبد تدميراً كاملاً للفطرة الإنسانية فالاستبداد يقوم على إلغاء العقل وتحويل الفضائل الجوهرية كالحكمة والشجاعة والعدالة إلى رذائل ونقائص ويلتقي الكواكبي معه حرفياً حين يعرّف الاستبداد بأنه داء دويّ يعطل الترقي الإنساني ويفسد الدين والأخلاق
أما المحور الثاني فيتعلق بـ”صناعة سيكولوجية الخوف والنفاق الاجتماعي” يبرز المؤلف كيف رصد القطبان أن الخوف المستدام في ظل السلطة المطلقة يدفع المجتمع إلى تبني استراتيجيات بقاء قائمة على التملق والعبودية الطوعية والكذب الذاتي يتحول المجتمع من حقل لإنتاج المواطنين الفاضلين الأحرار إلى مصنع كبير لإنتاج الرعايا المنافقين حيث تصبح التبعية فضيلة والجهل أمانا ويختتم الكاتب هذا التناظر ببيان كيف استشرف ابن رشد سقوط الدول والحضارات نتيجة تحول الحكم إلى طغيان عائلي نفعي، وكيف أصّل الكواكبي لقانون أن الاستبداد فخ المستقبل ويقود الأمم حتماً إلى الدمار الشامل والوقوع تحت طائلة الاستعمار الخارجي بسبب غياب السيادة الشعبية والأخلاقية
6. العولمة والسيولة العدمية:نبوءة نيتشه التي تحققت في سوق الليبرالية
ختم المؤلف كتابه بالفصل الخامس وهو دراسة جريئة وشديدة المواكبة لمراهن الكوني معنون بـ”العولمة من منظور فلسفة النقد” في هذا المبحث بتجاوز التحليلات الاقتصادية أو السياسية الضيقة للظاهرة العولمية تلك التي تكتفي بنقد المؤسسات المالية الدولية كالشركات عابرة القارات وصندوق النقد الدولي وينفذ مباشرة إلى العمق الفلسفي والوجودي للمسألة يتكأ الكاتب على الترسانة المفاهيمية الشرسة لفيلسوف الألماني الإشكالي فريدريش نيتشه مستدعيا على وجه الخصوص استعارته المدوية حول “موت الإله” شرح د.صباح هذه المقولة فلسفيا بإعادتها إلى سياقها الصحيح في فلسفة النقد: إنها تعني فلسفياَ غياب اليقين وسقوط المرجعيات الكبرى وانهيار المنظومات الأخلاقية المتعالية التي أسست للحضارة الغربية منذ عصر الأنوار يرى أن العولمة في تجليها الليبرالي الجديد المتوحش هي الإنجاز العملي والتاريخي الكامل للعدمية النيتشوية
لقد تحولت العولمة إلى قوة تفكيكية وهدمية شرسة لا تكتفي بفتح الحدود التجارية انما تعمل على إذابة الخصوصيات الثقافية وسحق الهويات الوطنية وتدمير القيم الأخلاقية الثابتة المستمدة من الدين أو التقاليد الفلسفية الرصينة ستبدل هذا النظام الكوني الجديد السيولة الأخلاقية والنسبية الشاملة بـ”ثقافة الاستهلاك الكوني” حيث يتحول السوق والمنفعة المادية الفجة إلى
“الإله الجديد” الذي يحدد قيمة الإنسان بناءً على قدرته الشرائية والاستهلاكية ويخلص الدكتور صباح في هذا الفصل إلى نتيجة تشريحية قاسية: الإنسان المعاصر في ظل العولمة يعيش حالة اغتراب سياسي ووجودي كامل لقد جُرِّد من مواطنته الفاعلة
7.خاتمة نقدية: في جدوى الفلسفة ومستقبل الممارسة السياسية
هذه القراءة التفكيكية الموسعة يمكننا القول بثقة إن كتاب “دراسات في الفلسفة السياسية” مثل وثيقة معرفية بالغة الرصانة تشتد حاجة النخبة الثقافية والسياسية العربية إليها اليوم تكمن القيمة الإبستمولوجية والمنهجية لهذا المنجز في قدرة المؤلف على صهر موضوعات تبدو ظاهريا متباعدة ومتناثرة عبر العصور والبيئات (من ليو شتراوس الحداثي، إلى الفارابي وابن رشد الوسيطين، وصولاً إلى نيتشه التفكيكي المعاصر) وصياغتها جميعاً في مجرى نقدي واحد وموحد هو المحاكمة الأخلاقية والمعيارية للسياسة والدفاع عن كرامة الإنسان وعقله ضد تشوهات الاستبداد وإجرائية القوة وسلعية العولمة
يلتزم الكتاب بلغة أكاديمية برهانية صارمة لكنها عندما تُقرأ في مشهد واقعنا العربي والعراقي المعاصر تتحول إلى مرآة كاشفة تعري عيوب الممارسة السياسية الراهنة القائمة على المحاصصة الديمقراطية الصورية وإعادة إنتاج الأزمات المركبة النصيحة الجوهرية والمال الذي يخرج به قارئ هذا الكتاب هو أن استعادة حيوية الدول وسيادتها لا تنجز بوفرة العوائد المالية أو بالترسانات العسكرية المحضة إنما بالارتكاز على تأصيل فلسفي وأخلاقي يعيد بناء الإنسان والمجتمع فالفلسفة ليست ترفاً برجوازياً أو تأملاً معزولاً في أبراج عاجية انما هي أداة حية وتفكيكية لامتياز تمنح النظام السياسي ديمومته وشرعيته الحقيقية أمام محكمة التاريخ وتثبت أن السياسة دون أفق قيمي هي انتحار جماعي مؤجل






![قراءات نقديه ودراسات حول رواية [زهور الدمن ] للقاص والروائي ضاري الغضبان](https://9newsagency.com/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20260606-WA0009-560x315.jpg)












