الصحافة العراقية ذاكرة وطن لا تتوقف عن الكتابة
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”
قبل أن يصبح للصحافة العراقية عيدٌ يُحتفى به كل عام كانت هناك حكاية طويلة من الكفاح المهني والوطني بدأت مع صدور “صحيفة الزوراء”عام 1869 لتدخل العراق بعدها مرحلة جديدة من التوثيق والرصد وصناعة الرأي العام ومنذ ذلك التاريخ لم تكن الصحافة مجرد أوراق تُطبع أو أخبار تُنشر انما كانت شاهداً على التحولات الكبرى التي مرّ بها البلد من العهد العثماني إلى تأسيس الدولة العراقية الحديثة مروراً بالانقلابات السياسية والحروب والأزمات التي رسمت ملامح العراق المعاصر
وخلال أكثر من قرن ونصف رافقت الصحافة العراقية أهم الأحداث التي صنعت تاريخ البلاد فعندما شهد العراق ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 كانت الصحف تنقل تفاصيل التحول السياسي الذي أنهى النظام الملكي وفتح صفحة جديدة في تاريخ الدولة وعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي ثم حرب الخليج الثانية عام 1991 وصولاً إلى أحداث عام 2003 وما تبعها من تغيرات سياسية وأمنية عميقة كانت الصحافة حاضرة لتوثيق الوقائع ونقل صورة ما يجري إلى الرأي العام رغم ما رافق تلك المراحل من مخاطر وتعقيدات
ويأتي عيد الصحافة العراقية هذا العام في ظل بيئة إعلامية مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة فالتطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعلا الخبر يصل إلى الجمهور خلال ثوانٍ لكن هذه السرعة نفسها فتحت الباب أمام سيل من الأخبار المضللة والمعلومات غير الدقيقة وخلال جائحة كورونا مثلاً واجه الإعلام العراقي كما غيره من وسائل الإعلام حول العالم تحدياً كبيراً في التمييز بين المعلومات العلمية الموثوقة والشائعات التي انتشرت على نطاق واسع وهو ما أبرز أهمية الصحافة المهنية ودورها في حماية المجتمع من التضليل
كما برز دور الصحافة العراقية في تغطية أحداث مفصلية مثل الحرب على تنظيم داعش بين عامي 2014 و 2017 حيث عمل عشرات الصحفيين والمراسلين من خطوط المواجهة الأمامية لنقل حقيقة ما يجري في المدن التي شهدت معارك التحرير وقد دفع عدد من الصحفيين حياتهم ثمناً لأداء واجبهم المهني ليؤكدوا أن الصحافة ليست وظيفة اعتيادية انما رسالة ترتبط بحق المجتمع في المعرفة إن الاحتفال بعيد الصحافة العراقية لا يجب أن يقتصر على استذكار الماضي انما ينبغي أن يكون مناسبة للتفكير بمستقبل المهنة أيضاً فالعراق اليوم بحاجة إلى إعلام مهني قادر على مناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين من الخدمات والبطالة والتعليم والصحة إلى ملفات الفساد والتنمية والإصلاح الإداري كما يحتاج إلى صحافة استقصائية تكشف الخلل وصحافة متخصصة تشرح التعقيدات الاقتصادية والسياسية بلغة يفهمها المواطن ورغم التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والمنافسة الشديدة التي فرضتها المنصات الرقمية ما زالت الصحافة العراقية تحتفظ بمكانتها بوصفها أحد أهم أدوات بناء الوعي العام. فالمجتمعات لا تتقدم بالشعارات وحدها بل بالمعلومة الدقيقة والتحليل المسؤول والنقاش العقلاني
وفي هذا اليوم تستحق الأسرة الصحفية العراقية كل التقدير لما قدمته من تضحيات وجهود في توثيق تاريخ العراق الحديث ونقل هموم مواطنيه والدفاع عن حقهم في الوصول إلى الحقيقة
يبقى عيد الصحافة العراقية أكثر من مجرد ذكرى مهنية إنه مناسبة للاحتفاء بالكلمة الحرة التي واجهت الحروب والأزمات والتقلبات السياسية و بالصحفيين الذين ظلوا رغم كل الظروف يكتبون فصولاً من تاريخ العراق يوماً بعد آخر مؤمنين بأن الحقيقة قد تتأخر أحياناً لكنها تبقى أقوى من النسيان




















