قراءة في مواقف وفرص
الجبهة التركمانية في العراق الجديد
✍️: شوان الداودي
في مؤتمر لندن عام 2002، الذي أُقرّت فيه خارطة طريق العراق الجديد ومبدأ الفيدرالية، ربطت الجبهة التركمانية، بطلب من تركيا، مشاركتها في عملية تحرير العراق بشرط رفض الفيدرالية لكردستان. وقد كان هذا الموقف انعكاساً لسياسة أنقرة، وليس لحاجة داخلية تركمانية، الأمر الذي حرم الجبهة من أول فرصة للمشاركة في اقتسام السلطة في العراق الجديد.
وتجلّت نتيجة ذلك الموقف في أول تجربة للحكم بعد سقوط نظام البعث. فعندما شُكّل مجلس الحكم، مُنح تمثيل التركمان لسيدة من خارج الجبهة، بل ومن خارج الدائرة السياسية التركمانية. وكانت تلك رسالة واضحة بأن سياسة الجبهة لا تنسجم مع منطق العراق الجديد. وللأسف، لم تُقرأ هذه الرسالة كما ينبغي، واستمر ارتهان الجبهة للسياسة التركية داخل العراق.
ومنذ عام 2003 وحتى اليوم، يدفع المكوّن التركماني ثمن ذلك التوجّه السياسي. وهذا، بلا شك، ظلم كبير بحق الشعب التركماني، الذي يُعدّ مكوّناً أصيلاً من مكوّنات هذا الوطن، ويستحق دوراً ومكانة أكبر.
وهنا أؤكد أنني شخصياً أكنّ كل الاحترام والمحبة للشعب التركماني، ولا أحمل أي حقد تجاه الجبهة التركمانية. بل على العكس، لديّ أصدقاء وعلاقات وثيقة داخل قيادة الجبهة وفي أوساط جمهورها، وقد دافعت عنهم في محطات كثيرة، حتى إنني وقعت، بسبب مواقفي تلك، في مشكلات، ووُجّهت إليّ اتهامات، ودفعت ثمناً لذلك.
في آذار 2011، عندما كان السيد حسن توران نائب رئيس الجبهة التركمانية، وعضواً في مجلس محافظة كركوك، ومرشح الجبهة لرئاسة المجلس، ردّ على مزايدة أحد زملائه بالقول: ( ليس منصب رئيس المجلس فقط، بل حتى لو عرضوا عليّ منصب رئيس الجمهورية، إذا كان ذلك على حساب القضية التركمانية، فسأرفضه ) .
وبناءً على هذا الموقف الوطني، كتبت مقالاً لدعمه، وبعد أن أصبح رئيساً للمجلس، دعمته في العديد من المقالات واللقاءات.
لكن عندما ترك منصب رئاسة المجلس في عام 2014 ليتولى عضوية مجلس النواب، وجّهت إليه النقد. وكنت أرى أن ذلك القرار كان خاطئا في حينه ، لأنه أخلّ بالتوازن المكوّناتي في إدارة كركوك، وخلق فراغاً كبيراً . فلو لم يترك منصبه، لما ذهب كردي أو عربي بدلاً منه إلى البرلمان، بل كان سيذهب تركماني آخر مستحق، فالتركمان يملكون الكثير من الكفاءات القادرة على شغل أي منصب. وبرحيله، نشأ فراغ استُغل لاحقاً لفرض إدارة أحادية الجانب، كما أسهم ذلك في دفع الكرد إلى الغرور وارتكاب خطأ سياسي كبير.
وفي نيسان الماضي، وبعد 102 عام، سنحت، بفضل معادلة سياسية جديدة، فرصة تاريخية للتركمان والجبهة التركمانية لتولي منصب محافظ كركوك. وللأسف، لم يوفّقوا في اختيار المرشح المناسب. فالمرشح، وهو رئيس الجبهة التركمانية، سبق أن خاض تجربة الانتخابات العامة رئيساً للقائمة، ولم يتمكن من الفوز. وقد أعطى ذلك انطباعاً وكأن الجبهة لا تملك شخصاً آخر قادراً على تولّي هذا المنصب.
وخلال الأشهر القليلة الماضية من تولّيه المنصب، وبسبب عدم الفصل بين صفته الحزبية وصفته الإدارية، وخلط المهام المرتبطة بهما، وقعت مجموعة من الأخطاء الإدارية والسياسية الفادحة التي أصبحت محل انتقاد على مستوى كركوك والعراق.
ولم تنتهِ مدة تولّيه هذا المنصب بعد، وبعد 23 عاماً على قيام العراق الجديد، سنحت للجبهة التركمانية فرصة مهمة أخرى، تتمثل في الحصول، للمرة الأولى، على منصب وزاري في الحكومة العراقية، والمشاركة في اجتماعات مجلس الوزراء.
ومرة أخرى، يُطرح السؤال نفسه: ألا يوجد داخل الشعب التركماني عموماً ، والجبهة التركمانية خصوصاً ، شخص آخر يمكنه تولّي هذا المنصب، غير رئيس الجبهة الذي يشغل حالياً منصبين في آن واحد: منصباً سياسياً بصفته رئيس الجبهة التركمانية، و منصباً إدارياً بصفته محافظاً لمدينة كركوك؟
إن هذه الخطوة تُعدّ خطأً كبيراً من الناحيتين السياسية والإدارية، للأسباب الآتية:
1. إدخال إدارة كركوك في حالة من القلق والاضطراب السياسي مجدداً .
2. إصابة الشعب التركماني بخيبة أمل نتيجة إعطاء انطباع بأن قضية كركوك ليست محوراً أساسياً في سياسة الجبهة التركمانية، حين تُترك فرصتان كبيرتان للمشاركة في إدارة المدينة من قبل اثنين من كبار قادة الجبهة، من أجل تولّي منصبين في بغداد.
على الجبهة التركمانية أن تفكر بمنطق الدولة، وأن تُصغي إلى الصوت التركماني الداخلي، وأن تعمل على توسيع دائرة المشاركة وإعداد كوادر وقيادات جديدة، بدلاً من حصر جميع المناصب بيد شخص واحد..



















