(كوم التعاونو ما ذلوا) … حين يتحول التعاون إلى بناء لأجيال العراق.
عصام حسين الحديثي
حين يطرح وزير التربية الأستاذ عبد الكريم العبطان مبدأ التعاون فإننا أمام مثل شعبي عراقي قديم يقول: «كوم التعاونو ما ذلوا»، وهو مثل تختصر كلماته حكمة كبيرة فالأوطان لا تبنى بجهد فرد واحد والمؤسسات لا تنهض بالقرارات وحدها وإنما تتقدم عندما يشعر الجميع أن لهم دورًا ومسؤولية في صناعة المستقبل.
ومن هنا يمكن أن يتحول هذا المبدأ إلى مشروع تربوي وطني يقوم على مساهمة رمزية مقدارها ألف دينار شهريا من كل معلم ومدرس وموظف في وزارة التربية تُجمع ضمن صندوق تربوي شفاف وتخصص حصرا لبناء المدارس وصيانتها وتوسيعها وتأهيلها وفق خطة مدروسة وأولويات واضحة وحاجة حقيقية.
قد يبدو الألف دينار مبلغا بسيطًا أمام الفرد لكنه عندما يجتمع مع آلاف أو مئات الآلاف من العاملين في المؤسسة التربوية يتحول إلى قوة مالية كبيرة يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا في واقع المدارس.
المهم هنا ليس حجم المبلغ الذي يدفعه الفرد بل قيمة المشاركة والشعور بأن المعلم والمدرس والموظف ليسوا متلقين للخدمة فقط بل شركاء في بناء المؤسسة التي ينتمون إليها.
ونحن لا نريد مشروعا لجمع الأموال فحسب وإنما نريد مشروعا يجمع اللحمة الوطنية والإنسانية والتربوية ويدار بمنتهى الشفافية وتنشر حساباته ومشاريعه أمام الجمي حتى يعرف كل مساهم أين ذهبت مساهمته وأي مدرسة استفادت منها وكم طالبا وتلميذا انتفع بها.
لا للتبرع الذي يتحول إلى واسطة.
وهنا لا بد من قول الحقيقة بصراحة: المدرسة ليست سوقا للتبرعات ودرجات الطلبة ليست ثمنا لأي مساعدة والمعلم ليس مدينا لمن تبرع للمدرسة.
مجالس الآباء والأمهات لها دور تربوي واجتماعي مهم لكن عندما يتحول بعض التبرع الفردي إلى وسيلة للضغط أو المجاملة أو طلب امتيازات خاصة للأبناء فإننا نكون قد ابتعدنا عن الهدف الحقيقي للتربية.
فلا يجوز أن يصبح من يدفع أكثر صاحب كلمة أعلى ولا أن تتحول مساعدة المدرسة إلى طريق غير مباشر للتأثير في درجات طالب أو معاملة ابن بصورة تختلف عن بقية الطلبة.
الطالب يجب أن يقيّم بعلمه واجتهاده لا بقدرة والده على التبرع.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع المساهمة الجماعية فعندما يشارك الجميع بمبلغ رمزي واحد وفق نظام واضح فإننا نغلق أبواب المنة والمجاملة والاستغلال ونحول التبرع من مصلحة شخصية محتملة إلى عمل وطني جماعي.
لا نريد أن يقول أحد أنا بنيت هذه الصفوف ولذلك أريد شيئًا لابني.
بل نريد أن يقول الجميع:
نحن ساهمنا في بناء هذه المدرسة، ولذلك يستحق كل طالب فيها بيئة تعليمية أفضل.
وهنا تنتقل الفكرة من التبرع الفردي إلى ثقافة المشاركة المجتمعية،ومن المجاملة إلى العدالة، ومن المنة إلى المسؤولية.
ألف دينار… قد تبني مستقبلًا
إن بناء مدرسة جديدة، أو إضافة صفوف، أو إنشاء مختبرات وقاعات فنية ورياضية، أو إعادة تأهيل مدرسة متهالكة، ليس إنفاقًا عابرًا؛ إنه استثمار في الإنسان العراقي.
وقد تكون المدرسة التي تُبنى اليوم سببًا في صناعة طبيب أو مهندس أو فنان أو معلم أو عالم يخدم العراق لعقود طويلة.
وهنا تظهر حكمة المثل العراقي:
(كوم التعاونو ما ذلوا) .
فإذا تعاونت الأسرة التربوية وتعاونت الوزارة وتعاون المجتمع وأُديرت الموارد بشفافية فإننا نستطيع أن نحول المبادرات الصغيرة إلى مشاريع كبيرة ونحول الألف دينار من مجرد مبلغ بسيط إلى حجر في مدرسة ومقعد لطالب، ومختبر لعشرات التلاميذ ومستقبل لجيل كامل.
ولكن نجاح المشروع مرتبط بشرط أساسي لا يمكن التنازل عنه:
الشفافية الكاملة.
صندوق واضح حسابات معلنة مشاريع محددة أولويات مدروسة ومتابعة حقيقية حتى يعرف كل موظف أين ذهبت مساهمته وحتى لا يتحول المشروع نفسه إلى باب جديد للهدر أو المحاباة.
هذه هي التربية التي نريدها تربية لا تكتفي بالكلام عن بناء الإنسان بل تبدأ ببناء المكان الذي يُبنى فيه الإنسان.
والعراق الذي يتعاون أبناؤه من أجل أطفاله، لا يمكن إلا أن يكون عراقًا أقوى وأجمل وأكثر أملاً بالمستقبل.
كوم التعاونو ما ذلوا… فليكن تعاوننا هذه المرة لبناء مدارس العراق وحماية عدالة أبنائنا وصناعة مستقبل أجياله..
شكرا لمعالي وزير التربية الاستاذ عبدالكريم العبطان الذي يتابع بشكل يومي وحثيث كل المدارس وان ما طرحه كوم التعاون ما ذلوا.. مبدا انساني وتربوي حقيقي.




















