أعداء خلف الكيبورد
ثمة نوع جديد من الخصوم ظهر مع اتساع فضاء التواصل الاجتماعي أشخاص لا تعرفهم ولا يعرفونك وربما لا يعرف أحدهم حتى اسمك الثلاثي لكنه يقرر أن يكون عدوك.
تسأل نفسك أحيانا”ما الذي بيني وبين هذا الشخص هل التقيت به يوما”هل اختلفت معه في موقف هل ألحقت به ضررا”هل قلت عنه شيئا” أم أن حكايته معي بدأت وانتهت عند شاشة هاتفه.
المثير للسخرية أن بعض هؤلاء يبنون عداوتهم على مجرد صورة أو خبر أو موقف ثم يتحولون إلى قضاة ومحامين وجلادين في آن واحد يكتبون ويهاجمون ويشتمون وكأن بينهم وبينك ثأرا” قديما”بينما الحقيقة أنك لا تعرف من هم ولا تعرف لماذا يكرهونك
والأغرب أن بعضهم لا يملك موقفا” خاصاً أصلا”هو مجرد صدى لشخص آخر يكرر ما يملى عليه ويهاجم من يطلب منه مهاجمته وربما يفعل ذلك لقاء منفعة أو مقابل مادي زهيد وهنا تصبح المسألة أكثر إيلاما”أن يبيع الإنسان موقفه وكرامته من أجل كلمات يكتبها خلف شاشة.
لكن السؤال الأهم ما الفائدة
ماذا سيكسب شخص يكرهك وأنت لا تعرفه ماذا سيضيف إلى حياته أن يسيء إليك أو يشوه صورتك هل سيصبح أكثر نجاحا”هل ستتحسن حياته هل سيحل مشكلاته أم أنه سيستيقظ كل صباح يبحث عن شخص جديد ليضعه في خانة أعدائه دون سبب يذكر .
الحقيقة أن العداء بلا سبب مصيبة لأن الإنسان حين يعادي من لا يعرفه فإنه لا يحارب شخصا”بقدر ما يحارب صورة صنعها في خياله.
أنا أؤمن أن الاختلاف حق والنقد حق وحتى الخصومة إذا كان لها سبب وموقف واضح يمكن فهمها واحترامها لكن أن تحمل في قلبك كل هذا الغضب تجاه إنسان لم تلتقي به ولم تجلس معه ولم تعرف طباعه ولم تعرف اسمه الكامل حتى فهذه ليست شجاعة إنها مشكلة تحتاج إلى تفسير
ادرك جيدا” ان الكيبورد لا يصنع رجالا”كما أن الشتيمة لا تصنع موقفا”وكثرة التعليقات لا تمنح صاحبها قيمة أو تأثيرا”لان هناك من يختبئ خلف الكيبورد لأنه لا يستطيع المواجهة وهناك من يستخدمه لأنه مأجور وهناك من يكتب لأنه يعيش على هامش حياة الآخرين فلا يجد لنفسه حضورا” إلا حين يهاجم هذا أو يطعن ذاك ولذلك لا أستغرب كثيراً من هؤلاء فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى عدو مجهول ولا يقضي يومه في مراقبة الآخرين ومن لديه قضية حقيقية يطرحها باسمهومن لديه اعتراض يواجهك به ومن لديه دليل يقدمه.
أما العداء المجهول والشتائم المجهولة والتحريض من خلف الشاشات فهي في النهاية ضجيج إلكتروني لا يستحق أن يتحول إلى قضية في حياتنا فليس كل من كتب ضدك خصما”شريفا”وليس كل من شتمك عدوا”وليس كل من حرض عليك يستحق أن تعرف اسمه .
فبعضهم مجرد عابر في فضاء مزدحم
وبعضهم مجرد صوت مستأجر
وبعضهم لا يعرف لماذا يعاديك أصلا”.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه دائما” إذا كنت لا تعرفني ولا تعرف اسمي ولا تعرف مواقفي ولا جمعتني بك خصومة يوما” فلماذا كل هذا الانحطاط والعداء للاخرين .
محمد حنون




















