اليوم العالمي للبحيرات: 117 مليون بحيرة وقرار اليوم يصنع ماء الغد
أوس ستار الغانمي
في السابع والعشرين من آب/أغسطس، لا يحتفي العالم بالبحيرات بوصفها مشاهد طبيعية جميلة تحيط بها الأشجار والجبال، وإنما يفتح ملفًا أكثر اتساعًا يتصل بمستقبل المياه والغذاء والاقتصاد والاستقرار السكاني. فالبحيرة منظومة حياة متكاملة؛ كل تغير يصيب منسوبها أو نوعية مياهها أو قدرتها على احتضان التنوع الأحيائي يترك أثره خارج حدودها، وصولًا إلى الإنسان الذي يعتمد عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
مناسبة أممية عمرها عامان
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27 آب/أغسطس يومًا عالميًا للبحيرات عام 2024، وبدأ الاحتفال به للمرة الأولى عام 2025، ليأتي عام 2026 بوصفه الدورة الثانية لهذه المناسبة الدولية. وترتبط فكرة اليوم العالمي بتاريخ طويل من العمل العلمي الدولي، يعود إلى المؤتمر العالمي الأول للبيئة البحيرية الذي عقد في محافظة شيغا اليابانية عام 1984 على ضفاف بحيرة بيوا، قبل أن تتوسع الحركة العلمية إلى تعاون دولي في إدارة البحيرات وحمايتها.
البحيرة خزان طبيعي لا يمكن تعويضه بسهولة
تضم الأرض أكثر من 117 مليون بحيرة، وتشكل البحيرات أحد أهم مستودعات المياه العذبة السطحية، فضلًا عن دورها في حفظ التنوع الأحيائي وتنظيم المناخ وامتصاص مياه الفيضانات وتوفير الغذاء والعمل والدخل للمجتمعات المحيطة بها. ولهذا فإن تراجع البحيرة لا يعني انخفاض مستوى الماء فقط؛ إنه يعني تراجع منظومة كاملة من الخدمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وتزداد أهمية هذه الحقيقة مع ارتفاع الطلب العالمي على المياه. فالزراعة والصناعة والمدن تتنافس على مورد محدود، فيما يدفع تغير المناخ دورة المياه العالمية إلى أنماط أكثر اضطرابًا؛ فترات جفاف أطول في مناطق، وأمطار شديدة في مناطق أخرى، وارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر في مناطق واسعة.
أزمة البحيرات لم تعد أزمة كمية
لوقت طويل كان السؤال الأساسي يدور حول كمية المياه الموجودة داخل البحيرة، بينما تكشف الأبحاث الحديثة أن نوعية المياه أصبحت جزءًا أساسيًا من المعادلة. التلوث بالمغذيات ومياه الصرف والمخلفات والمواد الكيميائية يغير التركيب البيئي للبحيرات، وقد يؤدي إلى ازدهار الطحالب ونقص الأكسجين وموت الأسماك وتراجع قدرة النظام المائي على دعم الحياة.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة المياه وتغير طبقاتها الداخلية يمكن أن يفاقما ظاهرة نقص الأكسجين في أعماق البحيرات، ما يهدد الكائنات الحية ويغير الكيمياء الداخلية للمياه. وهنا تنتقل الأزمة من مشهد يمكن للعين رؤيته إلى تغيرات تحدث في أعماق الماء وقد تسبق ظهور الكارثة على سطحه.
المستقبل يبدأ من القدرة على التنبؤ
التحول الأكبر الذي يفرضه عصر المناخ المتغير يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى اكتشافها قبل وصولها إلى مرحلة يصعب علاجها. الأقمار الصناعية، ونماذج المناخ، ومحطات الرصد، والذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات البيئية تمنح الباحثين قدرة متزايدة على متابعة تغير مساحات المياه ودرجات حرارتها ونوعية المياه ومؤشرات التلوث والتغير في الغطاء النباتي.
هذه الأدوات يمكن أن تغير مفهوم حماية البحيرات؛ فبدل انتظار انخفاض المنسوب حتى تظهر آثاره على السكان، يصبح بالإمكان رصد الاتجاهات مبكرًا، وبناء سيناريوهات للموسم المقبل، وتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر، وتوجيه المياه والاستثمارات وفق بيانات دقيقة.
وهنا تحديدًا يظهر أحد أهم ملامح مستقبل إدارة المياه: المعلومة ستصبح جزءًا من الخزان المائي نفسه.
العراق عندما يصبح المستقبل المائي حاضرًا
في العراق تأخذ القضية معنى أكثر حساسية. فبلد الرافدين الذي تشكلت حضارته حول دجلة والفرات يواجه اليوم معادلة مائية مختلفة؛ ارتفاع درجات الحرارة، تراجع الموارد المائية، زيادة التبخر، الملوحة، التلوث، وتغير أنماط الأمطار كلها عوامل تضغط على الأنظمة المائية.
وفي 2026 حملت الأمطار الشتوية خبرًا إيجابيًا للعراق، إذ سجل الموسم 2025–2026 مستويات أمطار أفضل من السنوات السابقة وأسهم ذلك في تحسين الخزين المائي الوطني بصورة كبيرة. لكن البيانات الأممية تقدم في الوقت نفسه قراءة أكثر حذرًا؛ فالتحسن الحالي يمثل جزءًا من المياه التي فقدها العراق خلال السنوات السابقة، كما أن الحرارة المرتفعة تواصل استنزاف جزء من المكاسب عبر زيادة التبخر.
المشكلة إذن لا تكمن في موسم جاف واحد أو موسم ممطر واحد؛ القضية ترتبط بمسار طويل يتطلب إدارة الخزين والاستهلاك والمياه الزراعية والأنهار والأراضي الرطبة ضمن منظومة واحدة.
الأهوار اختبار مبكر لمستقبل العراق
الأهوار العراقية تقدم مثالًا واضحًا على العلاقة بين المياه والمجتمع. فعندما يرتفع منسوب المياه تتحرك الحياة معها؛ الصيد وتربية الجاموس والزراعة والحرف والسياحة، وعندما تتراجع المياه تتراجع هذه الأنشطة وتزداد الملوحة وتتضرر النباتات والكائنات المائية، ويواجه السكان ضغوطًا اقتصادية واجتماعية قد تدفع بعضهم إلى مغادرة مناطقهم.
هذه الحقيقة تجعل حماية الأهوار مشروعًا يتجاوز فكرة الحفاظ على موقع طبيعي؛ إنها محاولة للحفاظ على اقتصاد محلي وذاكرة ثقافية ونمط حياة متوارث.
وقد اتجهت مشاريع حديثة في ذي قار إلى استخدام الأراضي الرطبة المنشأة لمعالجة مياه الصرف والاستفادة من النباتات المحلية في تحسين نوعية المياه. الفكرة تحمل بعدًا استراتيجيًا؛ فالطبيعة نفسها يمكن أن تتحول إلى شريك في إدارة الأزمة، بدل أن تكون مجرد ضحية لها.
الماء والهجرة الوجه الذي يظهر متأخرًا
أزمة المياه غالبًا ما تبدأ بعيدًا عن المدن، لكنها قد تنتهي داخلها. عندما تتراجع المياه الزراعية، تتدهور التربة، وتزداد الملوحة، وتضعف فرص العمل المرتبطة بالزراعة والصيد وتربية الحيوانات، يبدأ السكان في البحث عن بدائل. وهكذا يتحول تغير مائي صغير إلى قرار عائلي، ثم إلى حركة سكانية، ثم إلى ضغط جديد على المدن والخدمات وفرص العمل. هذا المسار يجعل إدارة البحيرات والأهوار جزءًا من سياسة الحد من النزوح المناخي، وليس ملفًا بيئيًا منفصلًا.
اقتصاد البحيرات في المستقبل
المستقبل المائي سيعيد تعريف قيمة البحيرات. فالحساب الاقتصادي التقليدي يركز على المياه التي يمكن سحبها، بينما يتجه الاقتصاد البيئي الحديث إلى احتساب القيمة التي تقدمها البحيرة عندما تبقى سليمة: تنقية المياه، دعم الأسماك، حماية التنوع الأحيائي، تخزين الكربون، تخفيف الفيضانات، دعم السياحة، وحماية الأراضي المحيطة.
ومن هنا تصبح حماية البحيرة استثمارًا طويل الأمد بدل النظر إليها كتكلفة حكومية.
وفي العراق، يمكن لهذا المفهوم أن يفتح مسارًا جديدًا أمام الأهوار والبحيرات والخزانات؛ الاستثمار في السياحة البيئية، وتطوير الصيد المستدام، وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة، ومعالجة مياه الصرف، واستخدام تقنيات الري الأكثر كفاءة يمكن أن يحول الماء من عبء إداري إلى محرك للتنمية المحلية.
هل يكفي أن ننتظر المطر؟
هذا السؤال سيكون أكثر إلحاحًا خلال السنوات المقبلة. الأمطار تمنح العراق فرصة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة استنزاف طويل الأمد. فالسياسة المائية التي تعتمد على انتظار الموسم المقبل ستبقى رهينة المناخ، بينما السياسة التي تعتمد على إدارة الطلب وإعادة استخدام المياه وحماية الأحواض ومكافحة التلوث والرصد المبكر تستطيع بناء هامش أمان أكبر.
المستقبل لا يتعلق فقط بكمية المياه التي تدخل البلاد، وإنما بكمية المياه التي تستطيع الدولة والمجتمع الاحتفاظ بها واستخدامها بكفاءة وإعادتها إلى الدورة الطبيعية بأقل قدر من الضرر.
من يوم عالمي إلى سياسة وطنية
القيمة الحقيقية لليوم العالمي للبحيرات تظهر عندما تتحول المناسبة إلى مراجعة للسياسات. يمكن للعراق أن يستثمر المناسبة في بناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة للبحيرات والخزانات والأراضي الرطبة، وربط بيانات المياه بالمناخ والزراعة والسكان، وتوسيع استخدام الأقمار الصناعية لرصد التغيرات، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بمخاطر الجفاف والملوحة والتلوث.
كما يمكن للجامعات ومراكز البحث العلمي أن تنتقل من إنتاج الدراسات التي تنتهي عند حدود المكتبة إلى إنتاج نماذج إنذار مبكر تساعد صانع القرار في تحديد أين ستكون المشكلة، ومتى تبدأ، وما تكلفة تأخير التدخل. وهنا يصبح البحث العلمي جزءًا من البنية التحتية المائية للدولة.
بحيرة الغد تُحمى بقرار اليوم
السنوات المقبلة ستجعل قضية المياه أكثر ارتباطًا بالسيادة والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي. وقد تصبح بعض المناطق أمام خيارات صعبة تتعلق بتوزيع المياه بين المدن والزراعة والبيئة والصناعة، فيما ستزداد قيمة كل متر مكعب يمكن توفيره أو إعادة استخدامه.
لهذا فإن حماية البحيرات لا تبدأ من ضفافها فقط؛ تبدأ من إدارة الأحواض التي تغذيها، ومن تنظيم استهلاك المياه، ومن معالجة الصرف، ومن اختيار المحاصيل المناسبة، ومن حماية الأراضي المحيطة بها، ومن امتلاك بيانات تسمح برؤية الخطر قبل وصوله.
الخلاصة
اليوم العالمي للبحيرات في 2026 يأتي والعالم أمام مرحلة جديدة من إدارة المياه. مرحلة لا يكفي فيها قياس المنسوب، وإنما تحتاج إلى فهم ما يحدث داخل البحيرة وحولها وفوقها، وربط الماء بالمناخ والغذاء والهجرة والاقتصاد.
أما العراق، فيقف أمام فرصة دقيقة؛ تحسن الخزين المائي يمنحه مساحة لإعادة ترتيب الأولويات، فيما تفرض الحرارة والجفاف والملوحة والتلوث الحاجة إلى إصلاحات طويلة الأمد.
قد تبدو البحيرة ساكنة، لكنها في الحقيقة تسجل كل ما يحدث حولها. ارتفاع الحرارة، تغير المطر، استنزاف المياه، التلوث، تغير الزراعة، حركة السكان، وحتى جودة القرارات الحكومية، كلها تترك أثرها في الماء.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في اليوم العالمي للبحيرات لا يتعلق بكيفية إنقاذ بحيرة واحدة، وإنما بكيفية بناء دولة تستطيع أن تتنبأ بأزمة المياه قبل أن تتحول إلى أزمة مجتمع.
وفي المستقبل، قد لا يكون السؤال: كم ماءً نملك؟ وإنما: كم ماءً نستطيع أن نحافظ عليه، وكم حياة نستطيع أن نبقيها مرتبطة به؟




















