من «الله لا يوفقني على هالخدمة» إلى «لا أوكسجين ولا دواء»… أربعة أعوام لم تغيّر شيئا ً في مستشفى الكاظمية!

حسين صادق29 أغسطس 2026آخر تحديث :
من «الله لا يوفقني على هالخدمة» إلى «لا أوكسجين ولا دواء»… أربعة أعوام لم تغيّر شيئا ً في مستشفى الكاظمية!

من «الله لا يوفقني على هالخدمة» إلى «لا أوكسجين ولا دواء»… أربعة أعوام لم تغيّر شيئا ً في مستشفى الكاظمية!

 

تحقيق بقلم – الإعلامي ثائر الموسوي

 

من السوداني إلى الموسوي… وبينهما مليارات من أموال العراقيين.

قبل أربعة أعوام دخل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى مستشفى الكاظمية في زيارة مفاجئة فكانت الصدمة كبيرة أمام ما شاهده من واقع خدمي لا يليق بمستشفى يفترض أن يكون من المؤسسات الصحية المهمة في العاصمة بغداد.

لم يَحْتَجْ السوداني يومها إلى تقرير طويل أو لجنة تحقيق حتى يكتشف حجم المشكلة، فقد رأى المشهد أمامه وقال عبارته التي أصبحت حديث العراقيين:

«الله لا يوفقنا على هاي الخدمة».

وقد وثقت وسائل الإعلام تلك الزيارة وأشارت إلى أن السوداني وجّه بمحاسبة المقصرين والمتغيبين والمتنصلين من واجبهم بعد أن شاهد بنفسه واقع المستشفى.

يومها قلنا: ربما تكون هذه الزيارة بداية إصلاح حقيقي

ربما تكون صدمة رئيس الوزراء أمام واقع المستشفى نقطة تحول.

ربما تصل الرسالة إلى وزارة الصحة وإلى المسؤولين عن المستشفى وإلى كل من تقع على عاتقه مسؤولية حماية المال العام وتحويله إلى خدمات حقيقية للمواطن.

لكن اليوم وبعد أربعة أعوام جاء المشهد الذي يجعل كل تلك الأسئلة تعود من جديد.

وزير الصحة عبد الحسين الموسوي يدخل إلى المستشفى نفسه في زيارة مفاجئة والكاميرا هذه المرة لا تنقل لنا كلام المواطنين فقط وإنما تنقل لنا حديث الوزير نفسه وهو يطّلع على الواقع.

والصادم أن الحديث لم يكن عن مشكلة بسيطة أو نقص عابر.

الحديث كان عن واقع صحي صادم: نقص في الأوكسجين، ونقص في الأدوية، ومشكلات في الطوارئ، ونقص في الأسرّة، ومرافق صحية بحالة مزرية، ومصاعد لا تعمل، ومشاهد أخرى لا تليق بمؤسسة صحية يفترض أن تستقبل المرضى وتحمي حياتهم.

وهنا أتوقف.

أربعة أعوام!

ليس أربعة أيام، ولا أربعة أشهر.

أربعة أعوام منذ أن وقف رئيس الوزراء في المكان نفسه وقال:

«الله لا يوفقنا على هاي الخدمة».

فماذا تغير؟

السؤال ليس استفزازيا ً.

السؤال حق مشروع للمواطن العراقي الذي يريد أن يعرف أين تذهب أموال الدولة.

إذا كان المستشفى يحتاج اليوم إلى الأوكسجين والدواء والأسرة والصيانة والخدمات الأساسية، فأين ذهبت الأموال التي صُرفت خلال السنوات الماضية على القطاع الصحي؟

ومن المسؤول عن متابعة تلك الأموال؟

ومن المسؤول عن تنفيذ مشاريع التأهيل؟

ومن المسؤول عن استلام الأعمال؟

ومن كان يكتب التقارير التي تقول إن الأمور تسير بشكل طبيعي؟

ومن كان يراقب المستشفى قبل أن يدخل الوزير فجأة ويكتشف كل هذا الخلل؟

المشكلة ليست مدير مستشفى فقط.

وإذا كان مدير المستشفى مقصرا ً فليُحاسب.

لكن من حقنا أن نسأل أيضا ً عن كل حلقة إدارية ورقابية أعلى منه.

لأن المستشفى لا يصل إلى هذه الحالة خلال يوم واحد.

ولا تختفي الأدوية فجأة.

ولا تتعطل المصاعد في ليلة واحدة.

ولا تختفي الأسرّة.

ولا يصبح الطوارئ عاجزاً عن أداء وظيفته فجأة.

ولا يصل المريض إلى مرحلة يبحث فيها عن الأوكسجين أو الدواء في مؤسسة يفترض أن تكون الدولة قد وفرت فيهما كل شيء.

هذه نتيجة تراكم سنوات من الخلل.

والأخطر من الخلل نفسه هو أن المسؤول لا يكتشفه إلا عندما يدخل المستشفى فجأة وتكون الكاميرا معه!

وهنا أتذكر عنوانا ً كتبته قبل ايام :

«وزير فيسبوكي في وزارة تنزف… هل أصبحت الكاميرا بديلاً عن العلاج؟»

لم يكن السؤال عن وزير بعينه فقط.

كان السؤال عن ثقافة كاملة في إدارة الدولة:

هل أصبح تصوير المسؤول وهو يتفقد المستشفى أهم من إصلاح المستشفى؟

هل أصبح الغضب أمام الكاميرات بديلا ً عن المتابعة اليومية؟

هل أصبح إعفاء مدير بعد اكتشاف الكارثة هو نهاية القصة، بدل أن يكون بداية تحقيق يسأل: من المسؤول عن وصول المؤسسة إلى هذه الحالة؟

نحن لا نريد مسؤولا ً يدخل المستشفى ليكتشف أن المصعد لا يعمل.

نريد مسؤولا ً يعرف ذلك قبل أن يراه بعينيه.

لا نريد وزيرا ً يكتشف نقص الدواء أثناء جولة مفاجئة.

نريد منظومة صحية تعرف احتياجات مستشفياتها قبل أن ينفد الدواء.

لا نريد أن يكتشف المسؤول نقص الأسرّة أمام الكاميرا.

نريد أن تكون هناك إدارة وتخطيط ورقابة تمنع وصول المريض إلى مرحلة لا يجد فيها سريرا ً.

ولا نريد أن يصبح الأوكسجين موضوعا ً للنقاش في مستشفى!

الأوكسجين ليس رفاهية. الدواء ليس رفاهية. السرير ليس رفاهية.

هذه أبسط حقوق المريض.

وهنا نصل إلى السؤال الأكبر:

إذا كان السوداني قد دخل المستشفى قبل أربعة أعوام، ورأى الخلل، وغضب، وقال «الله لا يوفقنا على هاي الخدمة»… ثم جاء وزير الصحة بعد أربعة أعوام ليكتشف أن المستشفى ما زال يعاني من مشاكل أساسية، فمن الذي لم يسمع؟ ومن الذي لم يتابع؟ ومن الذي لم يحاسب؟

أربعة أعوام من عمر الدولة.

أربعة أعوام من الموازنات.

أربعة أعوام من الأموال.

أربعة أعوام من الخطط والتوجيهات واللجان والاجتماعات.

ثم نعود إلى المكان نفسه لنكتشف أن المواطن ما زال يعاني من الأساسيات!

فأين ذهبت المليارات؟

هذا هو السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط الضجة الإعلامية.

لا يكفي أن يُعفى مدير.

ولا يكفي أن يغضب وزير.

ولا يكفي أن تنتشر مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

المطلوب أن تُفتح الملفات.

أن تُراجع العقود.

أن تُدقق مشاريع التأهيل والصيانة.

أن تُعرف الأموال التي صُرفت.

أن نعرف ما الذي نُفذ وما الذي لم يُنفذ.

وأن يعرف المواطن العراقي: من المسؤول عن كل دينار صُرف باسم صحته؟

لأننا سئمنا من السيناريو نفسه:

مسؤول يزور.

يتفاجأ.

يغضب.

يصدر أوامر.

تُعقد المؤتمرات.

تنتشر الصور.

ثم تهدأ الضجة…

ويعود كل شيء كما كان.

وهذا بالضبط هو ما يجعل المواطن يفقد ثقته.

ليس لأن العراقي متشائم، كما يقول البعض.

بل لأنه رأى السيناريو يتكرر أمامه عشرات المرات.

من السوداني إلى الموسوي، ومن قبلهما وبعدهما، تتغير الوجوه، وتتغير المناصب، وتتغير الحكومات، لكن السؤال يبقى نفسه:

متى تتحول الزيارات المفاجئة من مشاهد إعلامية إلى إصلاح حقيقي؟

ومتى يصبح المال العام خدمة يلمسها المواطن، لا أرقاما ً في الموازنات؟

ومتى يصبح المستشفى مكانًا للعلاج، لا مكانا ً يخرج منه المريض وهو أكثر تعبأ ً مما دخل؟

وأخيرا ً…

إذا كان رئيس الوزراء قبل أربعة أعوام قد قال: «الله لا يوفقني على هاي الخدمة»، وإذا كان وزير الصحة اليوم يدخل المستشفى نفسه ويكتشف نقص الأوكسجين والدواء والأسرّة ومشاكل الخدمات…

فماذا نقول نحن للمواطن الذي دفع من ماله وضرائبه وثروات بلده ثمن هذه الخدمات؟

هل نقول له: اصبر؟

لقد صبر أربعة أعوام.

هل نقول له: انتظر الإصلاح؟

لقد انتظر سنوات.

أم نقول له الحقيقة التي يعرفها أصلًا:

المشكلة ليست في نقص الأموال… بل في أين تذهب الأموال، وكيف تُدار، ومن يحاسب على هدرها وتقصير من أوكلت إليهم مسؤولية خدمة الناس.

فالعراقي لا يريد مستشفى «ترند».

ولا يريد وزيرا ً «ترند».

ولا يريد فيديو «ترند».

يريد علاجا ً.

يريد دواءً.

يريد أوكسجينا ً.

يريد سريرا ً.

يريد طوارئ تعمل.

يريد مصعداً يعمل.

ويريد قبل كل ذلك أن يشعر أن الدولة التي تنفق المليارات باسمه تحترم حياته.

أما سيناريو «الضحك على الذقون»، فآن له أن ينتهي.

لأن المريض الذي ينتظر سريراً لا تعنيه الصور.

والمريض الذي يحتاج دواءً لا تعنيه التصريحات.

ومن يحتاج الأوكسجين لا يعنيه المؤتمر الصحفي.

المواطن يريد نتيجة واحدة فقط: أن تعمل الدولة عندما يحتاجها.

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق