مطعم لازم شليبة… ذاكرة العمارة التي لا تُنسى

حسين صادق8 أغسطس 2026آخر تحديث :
مطعم لازم شليبة… ذاكرة العمارة التي لا تُنسى

شخصيات من مدينتي …

مطعم لازم شليبة… ذاكرة العمارة التي لا تُنسى

 

 

علي محمد جابر الحلفي

ميسان

 

عندما يُستذكر تراث مدينة العمارة، لا يمكن أن تغيب أسماء تركت بصمة خالدة في ذاكرة أهلها، ومن أبرز تلك الأسماء المرحوم الحاج لازم شليبة، الذي عرفه الجميع باسمه، فيما كان يحمل مطعمه الاسم التجاري “كباب الجمهورية” منذ تأسيسه عام1957 في محلة السراي، وسط مدينة العمارة.

 

لم يكن مطعم لازم شليبة مجرد محل لبيع الكباب، بل كان معلماً شعبياً يقصده أبناء المدينة وزائروها، حتى أصبح جزءاً من هوية العمارة الاجتماعية. وكانت رائحة الكباب المتصاعدة من مشاويه تمتزج بأصوات الباعة وحركة السوق، لترسم مشهداً ما زال يسكن ذاكرة كل من عاش تلك الأيام.

 

اشتهر المطعم بطعمه المميز الذي صنع له مكانة خاصة بين المطاعم الشعبية، حتى أصبح اسمه يتردد في كل بيت. وكان من أوائل المطاعم التي قدمت خدمة توصيل الطلبات إلى جميع مناطق محافظة ميسان، في زمن لم تكن فيه خدمات التوصيل معروفة كما هي اليوم، إذ كان عامل التوصيل يمتطي البايسكل أبو سلة ليجوب شوارع العمارة وأزقتها حاملاً طلبات الزبائن، في صورة لا تزال محفورة في ذاكرة أبناء المدينة.

 

كما كان للمطعم رقم هاتف أصبح معروفاً لدى الكثير من أهالي العمارة، وهو 321321، وكان يكفي الاتصال بهذا الرقم لتصل وجبة كباب الجمهورية إلى منزلك.

 

وفي تلك الحقبة كانت العمارة تزخر بعدد من المطاعم التي أصبحت جزءاً من تاريخها الشعبي، منها مطعم المرحوم دويج عباس، ومطعم الكاظمين للمرحوم عبد علي، ومطعم الحاج جبار في منطقة الماجدية، إضافة إلى مطعم المرحوم كاظم خنجر. وكان المرحوم دويج عباس شريكاً للمرحوم عباس راضي (أبو فاضل) المعروف آنذاك باسم عباس أرضيو، وكان محلهما مطلاً على شارع دجلة، بين الشركة الأفريقية للأجهزة الكهربائية ومصلحة المبايعات الحكومية، وقد جمعتهما علاقة أخوة ومحبة حتى أصبحا من أشهر الأسماء في عالم الكباب بمدينة العمارة.

 

ولم يكن المطعم وحده من صنع الذكريات، بل كانت المحال المجاورة جزءاً من المشهد الجميل؛ فمن جواره كان محل المرحوم موسى الطبري الذي اشتهر ببيع شربت نومي البصرة بطريقته الخاصة، والوطني ذو الراحة الطيبة، وهو من أشهر المثلجات الشعبية آنذاك. وفي فصل الشتاء كان يقدم الكبة، وفي شهر رمضان المبارك كانت الهريسة من أشهر ما يقدمه.

 

كما جاور المطعم دكان المرحوم عبود العطار، ومحل حلاقة المرحوم خلف الحلاق، ومحل معجنات المرحوم رحيم الكعكجي (أبو عدنان)، ومخبز أبو صادق، لتشكل هذه المحال مجتمعة لوحة من أجمل لوحات العمارة القديمة.

 

ولأن الحاج لازم شليبة كان عاشقاً لمهنته، فقد تحول مطعمه إلى مدرسة حقيقية تعلم فيها الكثير من الشباب أصول مهنة الكباب، ليصبح عدد منهم فيما بعد أصحاب مطاعم معروفة في المدينة، ومن أبرزهم الأسطة المرحوم سامي، الذي يعد واحداً من أشهر من تعلموا هذه المهنة في مطعم لازم شليبة.

 

أما أبناء الأرياف المحيطة بمدينة العمارة، فكانت لهم مع المطعم قصة أخرى. ففي صباح كل يوم جمعة كانوا يتوافدون إلى المدينة للتسوق أو إنجاز معاملاتهم، وكان من العادات التي لا يتخلون عنها تناول وجبة كباب في مطعم لازم شليبة، حتى أصبحوا يرددون فيما بينهم:

 

“اللي ينزل للعمارة وما ياكل كباب لازم شليبة… كأنه ما نزل للعمارة.”

 

واليوم، وبعد رحيل المؤسس المرحوم الحاج لازم شليبة، ما زال هذا الإرث مستمراً، حيث يواصل ابنه الحاج خلدون لازم شليبة (أبو هدى) الحفاظ على اسم المطعم، وعلى النكهة الأصيلة التي أحبها أبناء العمارة جيلاً بعد جيل، محافظاً على إرث عائلي أصبح جزءاً من تاريخ المدينة.

 

إن الحديث عن مطعم لازم شليبة ليس حديثاً عن مطعم فحسب، بل هو حديث عن زمن جميل، وعن رجال صنعوا تاريخاً بأخلاقهم وإتقانهم قبل أن يصنعوه بطعامهم، فبقيت أسماؤهم خالدة في ذاكرة العمارة وأهلها.

 

اعتذر إن ورد في هذا التوثيق عدم ذكر بعض الأسماء أو المحال التي كانت جزءاً من ذاكرة المكان، فذلك لم يكن عن قصد، وإنما لضيق الذاكرة، ولهم جميعاً كل التقدير والاحترام، فهم شركاء في صناعة تاريخ العمارة وتراثها الشعبي..

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق