الذكاء يسبق الإنسان

حسين صادق20 سبتمبر 2026آخر تحديث :
الذكاء يسبق الإنسان

الذكاء يسبق الإنسان

 

مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”

 

ربما يختلف الكثيرون في جدلية أزلية حول من يسبق من: الإنسان وعقله المبتكر أم الذكاء الاصطناعي الذي بات يطور نفسه بنفسه؟ لكن هذا الجدل الفلسفي حُسم تماماً على أرض الواقع في دول شرق آسيا وتحديداً في الصين حيث ماعاد الذكاء مجرد أداة مساعدة انما شريكاً تجاوزت قدراته الفعل البشري في ميادين شتى ويتجلى هذا التفوق بأبهى صوره في قطاع الزراعة الصيني حيث تدير الآلات والروبوتات الذكية مساحات شاسعة من الأراضي بدءاً من حرث التربة ونثر البذور عبر طائرات بدون طيار ومستشعرات أرضية تقيس ملوحة التربة ورطوبتها بدقة متناهية وصولاً إلى قطف المحاصيل وفرزها بواسطة أذرع آلية تعمل برؤية حاسوبية فائقة تفوق بمراحل قدرة اليد البشرية على الخطأ أو التعب ولا يقتصر هذا الزحف التكنولوجي على الحقول فحسب انما يمتد للمدن الذكية والمصانع المؤتمتة بالكامل مما يعكس تحولاً جذرياً نحو نموذج اقتصادي يُدار بأقل تدخل بشري ممكن وبأعلى مستويات الإنتاجية والربحية وهنا تبرز المفارقة الصادمة حين ننظر إلى المشهد في العراق فبينما تسابق دول العالم الزمن لدمج الذكاء الاصطناعي في قطاعاتها الحيوية كركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصادي لا يزال العراق ينظر إلى هذه الثورة التكنولوجية من زاوية ضيقة ومحاطة بالريبة والسلبية. تسود في الأوساط الثقافية والمؤسساتية العراقية نغمة تحذيرية ترى في الذكاء الاصطناعي تهديداً يحجم الإبداع البشري ويلغي دور التفكير النقدي ويمحو الهوية الإنسانية هذا الخوف الارتدادي يعكس فجوة معرفية عميقة فالذكاء الاصطناعي لا يلغي العقل انما يحرره من المهام الروتينية الشاقة ليتفرغ للابتكار الإستراتيجي وتسيير عجلة التنمية الحقيقية التي تفتقر إليها البلاد

إن هذا التباين الشاسع بين التجربتين الصينية والعراقية لا يعبر عن مجرد فجوة تكنولوجية يمكن حسرها بشراء بضع برمجيات أو أجهزة حديثة انما يجسد فجوة عقائدية في إدارة الدولة واستشراف المستقبل ففي الوقت الذي تعتمد فيه بكين على خوارزميات التنبؤ بمواسم الجفاف وإدارة سلاسل التوريد لضمان أمنها الغذائي يبقى القطاع الزراعي العراقي تحت وطأة أساليب الري البدائية والإنتاج التقليدي مما يجعله عاجزاً عن مواجهة التغيرات المناخية القاسية وشح المياه إن الاستمرار في تبني المنظور السلبي الخائف من التكنولوجيا في بغداد مع بقاء الدوائر الرسمية والمؤسسات التعليمية غارقة في البيروقراطية الورقية والآليات العتيقة يهدد بعزل العراق تماماً عن قطار التنمية العالمي، ويحيل طاقات شبابه الفكرية إلى طاقات معطلة في زمن ماعاد يعترف بالوسائل البدائية لإدارة الدول واقتصاداتها

ولانقاذ المؤسسات العراقية من هذا الركود التكنولوجي وانتشالها من دائرة التراجع ماعاد التباكي على الفرص الضائعة مجديا انما بات من الضروري الانتقال فورا إلى صياغة خارطة طريق إنقاذية وعملية ذات مسارات متوازية ومتصلة وتبدأ هذه المسارات الحتمية بتأسيس مجلس أعلى للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يرتبط مباشرة برئاسة الوزراء، تكون مهمته الأساسية رسم السياسات التكنولوجية للدولة وإلغاء المعاملات الورقية في الوزارات الخدمية عبر استبدالها بأنظمة إدارة البيانات الذكية الكفيلة بتجفيف منابع الفساد المالي والإداري ويتزامن هذا التحول البنيوي مع إحداث ثورة حقيقية في المناهج التعليمية والجامعية تشمل إعادة هيكلة كليات علوم الحاسبات والهندسة والزراعة وإدخال تخصصات البرمجة المتقدمة وتحليل البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي كمتطلبات أساسية بدلاً من المناهج الكلاسيكية التي تجاوزها الزمن

ولا تتوقف معالم الإنقاذ عند أسوار الجامعات والمؤسسات الإدارية انما تمتد لتلامس عصب الأرض عبر إطلاق مبادرة وطنية للزراعة الذكية تدعم المزارعين والفلاحين من خلال قروض ميسرة لشراء تقنيات الري الحديثة ومنظومات الاستشعار عن بُعد وتوفير إشراف مباشر من مهندسين زراعيين مدربين تكنولوجيا لمواجهة أزمة شح المياه الحادة وتدهور الإنتاج ولضمان استدامة هذه النهضة يبرز دور الدولة في إنشاء حاضنات أعمال ومراكز ابتكار تكنولوجي تُعنى برعاية العقول العراقية الشابة وتقديم الدعم المالي واللوجستي للشركات الناشئة المهتمة بالبرمجيات مما بسهم بشكل مباشر في منع هجرة الكفاءات وتوجيه إبداع الشباب نحو حل مشكلات الداخل الحقيقية بالتوازي مع الاستثمار الحقيقي في تحديث البنية التحتية الرقمية عبر توفير شبكات اتصال وإنترنت سريع وإنشاء مراكز بيانات وطنية آمنة كقاعدة أساسية لبناء أي نظام ذكي

ومع تسارع الخطى نحو المستقبل يصبح الخوف من فكرة إلغاء الإبداع عذراً واهياً يغذي الركود فالإبداع الحقيقي يتجلى في كيفية توظيف هذه الأدوات الفائقة لخدمة الإنسان وليس في الانكفاء على الذات خشية من هيمنة الآلة إن نهوض العراق وتجاوزه لازماته الاقتصادية والخدمية بات مرهوناً بجراة صناع القرار على كسر هذه النظرة الضيقة؛ فالتاريخ علمنا أن الأمم التي تخشى التكنولوجيا لا تحافظ على إرثها انما يطويها النسيان خلف أسوار الزمن.

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق