الغربة الداخلية… حين يصبح الشاعر وطنًا مؤجلًا كما في قصيدة الشاعر المبدع ناظم رشيد

هيئة التحرير21 يوليو 2025آخر تحديث :
الغربة الداخلية… حين يصبح الشاعر وطنًا مؤجلًا كما في قصيدة الشاعر المبدع ناظم رشيد

بقلم د. عزيز جبر يوسف


 

الغربة ليست دائماً ذلك البعد الجغرافي الذي يفصل الإنسان عن وطنه. أحياناً، تكون الغربة أعمق وأكثر إيلاماً حين تنشأ داخل النفس، حين يعيش الإنسان ــ وخاصة الشاعر ــ في صراع مستمر بين ذاكرة موجعة، وواقع لا يشبهه، ومستقبل لا يحمل له اليقين. الغربة الحقيقية هي حين يشعر الإنسان بالغربة عن نفسه، عن ماضيه، وحتى عن حلمه.

 

الشاعر، بحساسيته المفرطة، يترجم هذه الغربة إلى صوت، وصدى، وإحساس متجدد بالتمزق والبحث عن المعنى. هو يعيش كما لو أن قلبه مفتوح دائماً للريح، لكنه لا يغلق نوافذ الأمل رغم عواصف الألم.

 

وهنا نُضيء على قصيدة الشاعر *ناظم رشيد الساعدي*، التي تختصر هذا الصراع الداخلي برمزية عالية وجمال لغوي صارخ:

 

**”علّمتني الألوان أن لا أكون نصفَ شيء،

فإمّا لهبٌ يلتهم الليل،

أو صقيعٌ لا يعتذر.

إمّا أن أكون حضورًا فاضحًا،

أو غيابًا لا يُنسى.”**

 

القصيدة ترفض التردد، ترفض الحياد. لا مكان للرمادي في عالمه، بل اختيارات حاسمة بين النور والظلمة، بين الحضور المدوي أو الغياب المؤلم. إنها غربة الإنسان الذي لم يجد موطناً في المنتصف، وقرر أن يكون كاملاً في تطرفه، لأنه لم يُعطَ حقّه في أن يكون طبيعياً في وسط الحياة.

 

**”لا أريد جغرافيا للأمان،

ولا خارطةً للخضوع.

أنا الزنبقة التي قررت أن تكبر في العاصفة،

لا في أصيصٍ يُنسى على نافذةٍ مغلقة.”**

: في هذا المقطع، يرفض الشاعر الحياة المعلبة، الهادئة، الباهتة. يبحث عن معنى للحياة وسط الخطر، في العاصفة، في التجربة التي تهدد كيانه لكنها تمنحه المعنى. إنه شاعر الغربة الذي يعي تماماً أن الألم قد يكون هو السبيل الوحيد لتكون القصيدة جديرة بالبقاء.

 

الغربة هنا ليست فقط حالة إنسانية، بل موقف فني وجمالي. فهي التي تدفع بالشاعر لأن يكتب القصيدة التي لم تُكتب بعد، كما يقول:

 

**”دعني أكون…

نزفًا جميلاً

في قصيدةٍ لم تُكتب بعد.”**

 

وهكذا، فإن الغربة ــ في بعدها النفسي والشعري ــ ليست لعنة بقدر ما هي دافع للخلق، أداة للكشف، وسيلة لبناء الذات من رماد التجربة.

 

*خلاصة القول:*

الشاعر في غربته يحمل وطناً مؤجلاً في قلبه، وذكريات موجعة على كتفه، لكنه أيضاً يزرع في نصوصه بذور الأمل والجمال والرفض. إنه كائن العاصفة، لا يطلب مأوى، بل يبحث عن معنى. والشعر، في هذه الحالة، ليس ترفاً، بل فعل مقاومة، ومساحة للانتصار على الذات المغتربة.

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق