تجارة الاستحقاق ومقايضات المناصب !
د. حسن جمعة
في وقت تئن فيه البلاد تحت وطأة ظروف مالية خانقة ودعوات متكررة للتقشف وضبط الإنفاق الحكومي تكشف التصريحات الأخيرة للكتل السياسية عن إصرار عجيب على التعامل مع إدارة الدولة بوصفها غنيمة تقسم لترقية الأحزاب لا لبناء المؤسسات الوطنية الشاملة فإن كان الحديث عن إلغاء أو تعديل مناصب نواب رئيس الوزراء يبدو في ظاهره خطوة نحو الحد من الترهل الوظيفي والمناصب الفخرية المكلفة فإن النية القائمة على المقايضة وإعادة تدوير هذه الاستحقاقات عبر المطالبة بحقائب وزارية أمنية أو خدمية أخرى مقابل التنازل عن غيرها تعكس نهجا تفعيا يفضل الترضية السياسية على حساب المصلحة العامة وكرامة المواطن.. إن اشتراط بعض الأطراف التنازل عن وزارة معينة كوزارة العمل والشؤون الاجتماعية مقابل المطالبة بجميع النقاط للحصول على وزارة سيادية كوزارة الداخلية في حال تغير الاتفاقات يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن منطق النقاط والمكاسب الفئوية هو المحرك الأساسي لتشكيل الحكومات وإدارة مفاصل الدولة بعيدا عن أي معايير ترتبط بالكفاءة أو التخصص أو الحاجة الفعلية للهيكل الإداري.. هذا التكالب المستمر على المناصب العليا وتضخيم الهياكل الحكومية أو المقايضة بها وفق حسابات إرضاء الكتل لا يمثل مجرد هدر صارخ للمال العام في ظرف اقتصادي حساس يتطلب الضغط الحازم للنفقات فحسب بل هو ترسيخ خطير لنهج المحاصصة الذي أفرغ مؤسسات الدولة من محتواها الخدمي والوطني وجعلها مجرد أدوات للمساومات السياسية والتكتيكات الحزبية الضيقة على حساب تطلعات الشارع وبناء دولة المؤسسات الحقيقية وجعلها مجرد ساحات للمساومات السياسية والتكتيكات الحزبية الضيقة .. وفي الوقت الذي تطالب فيه الموازنات العامة بتقليص العجز وشد البطون يستمر الفاعل السياسي في اختراع التخريجات والمقايضات الضمان عدم خسارة أي نقطة نفوذ على حساب تطلعات الشارع وبناء دولة المؤسسات الحقيقية التي تقوم على خدمة المواطن لا خدمة المناصب والكتل.



















