من حليب الأم إلى حليب القواطي… أين اختفت حملات التوعية بالرضاعة الطبيعية؟
بقلم / علي محمد جابر الحلفي
ميسان
اليوم، وأنا أتصفح أرشيفي الصحفي في حاسبتي الخاصة، توقفت طويلاً أمام صور ومقاطع تعود إلى سنوات التسعينيات، عندما كنت أرافق الفرق الجوالة التابعة إلى دائرة صحة ميسان في حملات التوعية بأهمية الرضاعة الطبيعية.
كانت تلك الأيام تحمل مشهداً مختلفاً…
كنت أرافق الفرق الصحية ميدانياً وأقوم بتوثيق حملاتهم ونشاطاتهم، وأتذكر جيداً لقاءاتي ومرافقتي للدكتورة انتصار جمعة حسون الخزرجي، والدكتور حسين جخيور مسؤول القطاع الصحي الأول آنذاك، إلى جانب الفرق الطبية والصحية المرافقة لهم، وهم يجوبون المناطق للتوعية بفوائد الرضاعة الطبيعية وأهميتها للأم والطفل.
كانت الرسالة واضحة يومها:
حليب الأم ليس مجرد غذاء… بل حماية وحنان ورعاية وبداية صحية لحياة الطفل.
وكان الأطباء والكوادر الصحية يتحدثون باستمرار عن فوائد الرضاعة الطبيعية، وعن أهمية منح الطفل حليب أمه، وعن المخاطر التي قد ترافق الاعتماد على الحليب المجفف من دون حاجة طبية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، وأنا أعود إلى ذلك الأرشيف القديم، وجدت نفسي أتساءل:
ماذا حدث؟ وأين ذهبت تلك الحملات؟
بعد عام 2003، لم تعد حملات التوعية بالرضاعة الطبيعية، بحسب ما أراه وأتذكره من المشهد الذي عاصرته، بالحضور نفسه الذي كانت عليه في سنوات سابقة، وأصبحنا نشاهد جيلاً جديداً من الأمهات، بعضهن في أعمار صغيرة، وقد أصبح الحليب المجفف خياراً حاضراً بقوة في حياة الكثير من الأطفال.
وأحياناً، لا تكون المشكلة في عدم قدرة الأم على الرضاعة، وإنما في قلة التوعية، أو سهولة اللجوء إلى الحليب المجفف، أو اعتقاد البعض أن الحليب الصناعي أفضل أو أسهل من حليب الأم.
وهنا لا بد من التأكيد على أمر مهم:
الحليب الصناعي ليس عيباً، وهناك أمهات قد يحتجن إليه لأسباب صحية أو لظروف خاصة، ولا يجوز توجيه اللوم إلى أم لا تستطيع الرضاعة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل تحصل الأم اليوم على التوعية الكافية قبل أن تختار؟
فالحليب الصناعي لا يجعل الطفل قاسياً، ولا حليب الأم وحده يجعل الطفل حنوناً أو ذكياً أو صالحاً؛ فشخصية الطفل تتشكل من عوامل كثيرة، أهمها التربية والأسرة والبيئة والاهتمام والحب.
لكن الرضاعة الطبيعية لها فوائد صحية وغذائية ومناعية مهمة للأم والطفل، كما أن لحظات الرضاعة والاحتضان والتواصل بين الأم وطفلها لها قيمة كبيرة في بناء العلاقة بينهما.
والقرآن الكريم يقول:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾
صدق الله العظيم.
سورة البقرة: 233
والآية الكريمة تبيّن مدة إتمام الرضاعة لمن أراد ذلك، مع ما جاء بعدها من أحكام تتعلق بالتراضي والتشاور والفطام.
وعندما أعود إلى صور التسعينيات، أتذكر كيف كانت الفرق الصحية تتحرك بين الناس، وكيف كان الطبيب والممرضة والمثقفة الصحية يجلسون مع الأمهات ويشرحون لهن فوائد الرضاعة الطبيعية.
كانت هناك رسالة صحية تصل إلى البيت والشارع والقرية والمدينة.
واليوم، ربما نحن بحاجة إلى أن تعود هذه الرسالة من جديد، ولكن بأساليب تناسب هذا الجيل.
نحتاج إلى حملات توعية حديثة، تصل إلى الأمهات الشابات، وتشرح لهن فوائد الرضاعة الطبيعية بطريقة بسيطة وعلمية، وتوضح متى يكون الحليب الصناعي ضرورياً، وكيف يمكن للأم التي تواجه صعوبة في الرضاعة أن تحصل على الدعم والمساعدة من الكوادر الصحية.
لذلك، من باب الحرص على صحة أطفالنا، أتمنى أن تعيد وزارة الصحة ومديريات الصحة في المحافظات إطلاق حملات واسعة ومنظمة للتوعية بالرضاعة الطبيعية، وأن تعود الفرق الصحية إلى الميدان، إلى المراكز الصحية والمستشفيات والأحياء والقرى، لأن التوعية الصحية ليست أقل أهمية من العلاج.
وأنا شخصياً، عندما أرى اليوم تلك الصور القديمة في أرشيفي، لا أراها مجرد صور عابرة من الماضي…
بل أراها ذاكرة صحية لمدينة ميسان، ومرحلة كان فيها الإعلام يوثق جهود الأطباء والكوادر الصحية وهم يحملون رسالة إلى الأمهات:
أعطي طفلك من حليبك ما استطعتِ… وامنحيه مع الحليب حضنك وحنانك وأمانك.
فإذا كان حليب الأم هو أول غذاء للطفل، فإن حب الأسرة وتربيتها هما أول غذاء لروحه.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
أين هي حملات التوعية بالرضاعة الطبيعية اليوم؟
وهل آن الأوان لأن تعود وزارة الصحة والفرق الصحية إلى الميدان بحملة وطنية جديدة، تواكب الجيل الجديد من الأمهات؟




















