بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل في حياة بعض البشر دروسًا لا تُنسى، وأودع في قلوبهم من الإيمان والصدق ما يجعل أثرهم أبقى من أعمارهم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

حسين صادق23 أغسطس 2026آخر تحديث :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل في حياة بعض البشر دروسًا لا تُنسى، وأودع في قلوبهم من الإيمان والصدق ما يجعل أثرهم أبقى من أعمارهم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي جعل في حياة بعض البشر دروسًا لا تُنسى، وأودع في قلوبهم من الإيمان والصدق ما يجعل أثرهم أبقى من أعمارهم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

أما بعد…

 

فليست كل حياة تُقاس بعدد السنوات، ولا كل سيرة تُكتب لأنها طويلة، بل إن أعظم القصص قد تبدأ وتنتهي في سنوات قليلة، لكنها تبقى خالدة في ذاكرة الأجيال.

 

هذا الكتاب ليس مجرد توثيق لسيرة فتاة عاشت أربعة عشر عامًا، بل هو محاولة لرواية حكاية روح اختارت طريق المبادئ، وسعت إلى تهذيب نفسها، فكان صدقها سببًا في أن تبقى سيرتها حيّة رغم مرور السنين.

 

لقد بذلت جهدي في جمع أحداث هذه السيرة، والاعتماد على الروايات الموثوقة وشهادات من عرفوها، لتخرج هذه الصفحات بصورة تليق بذكرى إنسانة تركت أثرًا أكبر من عمرها.

 

ولعل أعظم ما يمكن أن يتعلمه القارئ من هذه القصة أن الإنسان لا يخلد بكثرة ما يعيش، وإنما بصدق ما يعيش له، وبالأثر الذي يتركه في قلوب الناس بعد رحيله.

 

أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل من يقرأه، وأن يكون تذكرةً بأن الإخلاص والالتزام وصفاء القلب قادرة على أن تصنع من العمر القصير حياةً لا تنتهي.

 

وأهدي هذا الكتاب إلى أرواح الشهداء جميعًا؛ الذين كتبوا بدمائهم صفحاتٍ من الكرامة والوفاء، فغابوا عن الأبصار، وبقي أثرهم شاهدًا على أن المبادئ الصادقة لا تموت، وأن الخلود الحقيقي هو خلود الأثر الطيب في الدنيا، وحسن الجزاء عند الله.

مهدي البصري

 

ليست ابنة نبي، ولا هي سيدة معصومة، بل هي فتاة جاهدت نفسها وأدّبتها خلال أربعة عشر عامًا، وتمنّت الشهادة بقلب صادق، فرزقها الله إياها.

توضح حياة هذه الشهيدة أن المرأة، بحجابها وعفّتها، يمكن أن تخلّد نفسها؛ فهي شهيدة استُشهدت منذ سنوات كثيرة، لكنها غيّرت الكثير، وما زالت تغيّر.

الشهيدة زينب كمايي

إلى جميع عشّاق الشهادة والأصدقاء…

أريد منكم أن تبقوا على خط الشهداء وتحافظوا عليه بأنفسكم، ولا تنحرفوا عن خط الإمام(السيد روح الله  الخميني قدس سره) ، واستمعوا إلى خطبه واعملوا بها.

فاختارت لنفسها اسم «زينب»، وأقامت احتفالًا صغيرًا بين صديقاتها ابتهاجًا بهذا الاسم، وأخبرتهن بأنها غيّرت اسمها.

 

كان ذلك اليوم مختلفًا بالنسبة إليها؛ يوم شعرت فيه أن اسمها لم يعد مجرد حروف تُنطق، بل هوية تحمل معنى ورسالة.

 

ولم يكن ذلك مجرد تبديل للاسم، بل كان انعكاسًا لقناعة راسخة وانتماء عميق، أرادت أن تعيشه بكل جوارحها.

وبعد استشهادها، رأتها أختها في المنام، فنادتها: «ميترا»، فلم تجبها.

 

ثم نادتها: «زينب»، فالتفتت إليها وأجابتها، وكأنها أرادت أن تؤكد أن الاسم الذي اختارته بإرادتها هو الاسم الذي أحبّت أن تُعرف به.

 

حقًّا، لقد كانت جديرةً باسم «زينب»، بما يحمله من عفّة وطهر وسمو.

منذ صغرها، عُرفت زينب بتديّنها والتزامها بالحجاب، حتى في عهد الشاه، حين كانت المحجّبات يتعرّضن للاستهزاء والسخرية

 

لكنها بقيت ثابتة على مبادئها، مؤمنةً بأن الحجاب ليس مجرد مظهر، بل رسالة وقيمة.

 

وقد أدركت منذ نعومة أظفارها أن الفتاة المحجّبة تحمل رسالة سامية، وأن طريق الالتزام قد ترافقه المشقة والتعب، إلا أن الصبر والثبات من أجل هذه الرسالة هو مصدر العزّة والكرامة

كان أول سفر لزينب برفقة والديها وأخيها الصغير إلى مدينة مشهد المقدسة، حيث تشرفت بزيارة مرقد الإمام الرضا (عليه السلام). ولم تكن تلك الزيارة رحلة عابرة، بل كانت نقطة تحوّل في حياتها؛ إذ عادت منها بروح مختلفة، وقلب امتلأ بالإيمان والسكينة، وكأنها أقامت صلة خاصة بالإمام الرضا (عليه السلام).

 

ومنذ ذلك الحين، ازداد تعلّقها بالدين، وتعاظم شوقها إلى نيل الشهادة في سبيل الله.

 

وبعد عودتها، خاطت لها والدتها أول عباءة ترتديها في حياتها، فاستقبلتها بفرح كبير، وتعلّقت بها تعلقًا شديدًا؛ لأنها كانت ترى فيها رمزًا للعفّة والالتزام، وخطوة جديدة في طريقها الإيماني الذي اختارته بكل حب وإخلاص.

مع انطلاق الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قدس سره)، برزت شجاعة زينب وإيمانها العميق بمبادئ الثورة.

 

خميني رهبر ماست

 

فكانت تدعو أخواتها إلى المشاركة في التظاهرات والفعاليات الثورية، وتسير معهنّ بروحٍ مليئةٍ بالحماس والثبات.

 

ولم تكتفِ بالحضور، بل كانت تُسهم في تنظيم صفوف النساء وتقسيمهنّ وترتيبهنّ، محافظةً على النظام والانضباط، ومؤمنةً بأن لكل فردٍ دورًا في نصرة الحق والدفاع عنه.

تأثرت زينب تأثرًا عميقًا بالإمام الخميني (قدس سره)، فحرصت على تطبيق برنامج يومي لتهذيب النفس، شمل:

 

– صلاة الليل.

– – قراءة خمسين آية من القرآن الكريم.

– حفظ القرآن الكريم.

– صيام يومَي الاثنين والخميس، اللذين كانت تعدّهما واجبًا.

– التأمل في السماء بعد صلاة الفجر.

– صلاة الغفيلة.

– التفكر في الموت.

– قلة الطعام.

– ممارسة الرياضة.

– صلاة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

– ترك الذنوب.

– إلى جانب أعمال عبادية أخرى.

 

وكان لها دفتر خاص لمحاسبة النفس، وكانت تكتب على غلافه عبارة:

«الله يرى»

وعندما كانت تُسأل عن سبب ذلك، كانت تجيب:

«حتى لا أنسى لحظة أن الله يراني»

 

مع اندلاع الحرب التي شنّها صدام على إيران، أصبحت مدينة آبادان مهددةً بالخطر، مما اضطر العائلة إلى شراء منزل في شاهين شهر والانتقال إليه.

 

أما شقيق زينب، فقد بقي في جبهات القتال دفاعًا عن دين الله، مؤمنًا بأن الدفاع عن الوطن والعقيدة هو أعظم واجب.

 

ولم تكن شاهين شهر تلائم زينب ولا حجابها، إلا أنها استطاعت أن تنسجم مع أجوائها وتتأقلم مع الحياة فيها، محتفظةً بهويتها وإيمانها في كل خطوة..

كانت زينب تتوسل إلى أختها أن تروي لها كيف استشهد الشهداء، فقد كانت تعشق الشهادة عشقًا كبيرًا.

 

وكانت تزور الجرحى، وتجري معهم لقاءاتٍ تسجلها، ثم تذهب إلى المدرسة لتُسمع الفتيات تلك التسجيلات، وتنقل إليهن ما سمعته من قصصهم وتجاربهم.

 

ولم تكن زينب في الجبهة، لكنها صنعت لنفسها جبهةً خاصة؛ تدافع فيها عن الإسلام، وتنشر حب الجهاد والإمام الخميني. كما كانت تحرص على حضور تشييع الشهداء، وكانت تقطف من مقبرة الشهداء ثمار الصنوبر، وتحتفظ بها.

 

وبعد استشهادها، وجدوا عندها ستَّ ثمراتٍ من الصنوبر، أما الثمرة السابعة، فقد وجدوها على قبر زينب، في مشهدٍ بقي شاهدًا على شدة تعلقها بالشهداء وحبها لهم.

تقول والدة الشهيدة زينب كمايي:

 

«لم يكن لدينا في فصل الشتاء وسيلة تدفئة جيدة، ولم نكن نملك المال، فكنا ننام جميعًا في غرفة واحدة، لا يوجد فيها سوى قطعة سجادة.

 

وفي إحدى ليالي البرد القارس، استيقظت، فلم أرَ زينب في مكان نومها، فقمت بهدوء، فإذا بها قائمة في غرفة أخرى تؤدي صلاة الليل.

 

وعندما رأتني، رمقتني بنظرة فيها شيء من الانزعاج؛ لأنها لم تكن تحب أن يراها أحد وهي تصلي في الليل.

وأنا لم أرَ في حياتي أحدًا يستلذ بالصلاة كما كانت تفعل الشهيدة زينب».

كانت زينب في بعض الأحيان تخفي وجهها تحت عباءتها.

 

وكانت تغتسل غسل الشهادة، وتقول: «يجب على كل مسلم أن يغتسل هذا الغسل».

 

وعلى الرغم من تدينها، كانت حاضرة وفاعلة في مختلف المجالات، وكان لها دور مؤثر.

 

وكانت حريصة على التعلم وتطوير نفسها؛ فعندما كانت أختها تعود من درس الأخلاق، تطلب منها أن تخبرها بما تعلمته، ثم تعمل زينب على تطبيقه.

 

وكانت تحب قراءة الكتب، وكثيرة المطالعة، كما كانت تكثر من تدوين الملاحظات الدينية وغيرها، حتى إنها كتبت وصيتها قبل ثمانية عشر يومًا من استشهادها.

 

وعندما كانت تصوم وتسألها والدتها: «ماذا تريدين على الإفطار؟» كانت تجيب: «أي شيء».

 

وكانت تصاحب الفتيات قليلات التدين، وتعطف عليهن، وتسعى إلى إرشادهن.

كانت أكبر أمنياتها أن تستشهد كالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

 

وقبل أن تبلغ الثامنة عشرة من عمرها، كانت تردد هذا الكلام دائمًا، بثباتٍ ويقين.

 

لم يكن ذلك مجرد حلمٍ عابر، بل كانت تعيش على هذا الأمل، وتُعِدّ نفسها لهذا اللقاء العظيم.

 

كانت تتمنى أن تكون من المخلصين، وأن يُكتب اسمها في سجل الشهداء، بين يدي السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

 

وكانت مستعدةً لهذا الأمر بكل ما تملك من إيمانٍ وصبرٍ ومحبة.

في عام 1982م، بدأ المنافقون باغتيال الشخصيات المؤثرة في المجتمع.

 

وكانت زينب آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها، وقد توسلت إلى والدتها أن تسمح لها بالذهاب إلى المسجد لأداء صلاتي المغرب والعشاء جماعة.

 

وفي ذلك اليوم، كانت قد اغتسلت غسل الشهادة، ثم خرجت إلى المسجد مرتديةً عباءتها المستورة، تمشي بحياء، وعيناها إلى الأرض.

 

وبعد أن أدت صلاتي المغرب والعشاء، ذكرت النساء المصلّيات أن صلاتها كانت مليئة بالخشوع والبكاء، وكانت تطيل السجود حتى تتأخر عن الإمام.

 

ثم خرجت زينب من عنيا المسجد، وعادت إلى بيتها بخطوات هادئة…

تأخرت زينب في العودة إلى المنزل، فانطلقت والدتها وأختها للبحث عنها. وكلما رأتا فتاةً ترتدي عباءة، كانت أختها تهرع نحوها وهي تصرخ: «هذه زينب!» لكنها لم تكن زينب.

 

أبلغت العائلة الشرطة، لكن دون جدوى، فلم يعثروا عليها. وبقيت زينب مفقودةً ثلاثة أيام…

 

يا لها من أيامٍ عصيبة عاشتها العائلة! كيف لهم أن يغمضوا أعينهم، وإحدى بناتهم التي كانت بالأمس في أحضانهم ما تزال مفقودة؟

نعود إلى أحداث تلك الليلة الملكوتية…

 

كانت زينب تسير في طريق عودتها إلى المنزل، فإذا بها تسمع وقع أقدام خلفها.

 

أسرعت في خطواتها، لكن فجأة ظهر أمامها رجل قطع عليها الطريق، وعندما التفتت إلى الخلف، وجدت رجلًا آخر يمنعها من الفرار.

بقيت زينب ممسكةً بعباءتها بكل قوة، ثم اقتادوها إلى بيتٍ مهدم، مليءٍ بالتراب والطابوق، وأجلسوها على الأرض.

 

وسحبوا عباءتها منها، ولا شك أن انتزاع عباءتها كان أشدّ عليها من القتل نفسه.

 

ثم اعتدوا عليها حتى فارقت روحها الطاهرة جسدها، وانتهت رحلتها مع أهل الأرض.

 

وبعد ذلك، دفنوها بعباءتها تحت ذلك البيت المهدم.

وصل إلى العائلة خبرٌ يفيد بأن فتاةً قُتلت بعباءتها، ودُفنت تحت ركام بيتٍ مهدم.

 

ذهب والدها ليتأكد، فإذا بها عزيزتهم زينب.

 

وعندما نقلوها إلى الطب العدلي، قالت الطبيبة لوالدتها: «لا تقلقي، فبسبب صغر سن زينب وضعف جسدها، يُرجَّح أنها استُشهدت منذ العقدة الأولى، ولم تتعذب بالاختناق طويلًا».

 

وعندما دخل أهلها إلى المشرحة لوداعها، وجدوا حجابها لا يزال على رأسها، أما عباءتها فكانت لا تزال ملتفةً حول عنقها.

ختامًا، أسأل الله أن نستلهم من سيرة الشهيدة زينب كمايي الكثير من الدروس والعِبَر، وأن نتعلّم منها الثبات والعفّة، والإخلاص وحبّ الله.

 

فقد كانت تؤمن بأن من يتهيّأ للشهادة بصدق، ويكون أهلًا لها، فإن الله يختار له ما فيه الخير.

 

ولمن أراد التعرّف إلى المزيد من تفاصيل حياتها، فبإمكانه مشاهدة لقاءات عائلتها على يوتيوب؛ فقط ابحث باسمها، وستجد روايات مؤثرة تروي سيرتها المباركة.

عاجل ...

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق