الشرق الأوسط.. من الهدنة لحافة الانفجار
بقلم: د. خالد قنديل
بينما ظنت منطقة الشرق الأوسط أنها سوف تلتقط أنفاسها بعد أشهر من الوساطات الشاقة والمساعي الدبلوماسية التي نجحت في فرض قدر ليس هينًا من التهدئة بين واشنطن وطهران، مرة أخرى يشتعل فتيل الحرب، وتعود أصوات الانفجارات لتعلو من جديد، لتعود معها الأسئلة القديمة المُلحة والمملة في آن، والتي لم تجد إجابة حاسمة من قبل: هل سنكون أمام جولة عابرة من تبادل الرسائل العسكرية، أم أن الشرق المنكوب المغلوب على أمره، يقف مجددًا وللمرة التي بلا عدد على أعتاب حرب مفتوحة، ربما تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوى لعقد جديد، لم يكن قد مر أسبوعان على توقيع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مذكرة تفاهم تكونت من أربعة عشر بندًا، متضمنة إنهاء الحرب والبدء في فترة مفاوضات تصل إلى ستين يومًا، شاملة ملفات مهمة للطرفين مثل مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، حتى وجه الطرفان كل منهما للآخر اتهامات بخرق بنود الاتفاق، إذ ترى أمريكا انتهاكًا إيرانيًا في استهداف أهداف إقليمية وسفن تجارية، بينما تؤكد طهران أن ضربات أمريكا المتكررة قد أضعفت أي مسار دبلوماسي، لتبدأ دورة تصعيد جديدة وعنيفة، تمر من خلالها المسيرات والصواريخ فوق السماء العربية والخليج، وقد طالت الصواريخ الأمريكية الأعنف مما سبق بنى تحتية ومواقع عسكرية في عمق المدن الإيرانية، وبطبيعة الحال يأتي الرد الإيراني على ما تراه المصالح والقواعد الأمريكية بالمنطقة، وقد شملت ضربات واشنطن مناطق بندر عباس وإيرانشهر وبوشهر وتشاهبهار وكنارك في شرق إيران وماطق أخرى في الجنوب وشمال شرق البلاد، في جولة استهدافات هي الأوسع جغرافيا، بحجة إيقاف إيران عن ضرب السفن التجارية في مضيق هرمز، حتى أسفرت الضربات عن مقتل نحو أربعين إيرانيا وإصابات تصل إلى نحو خمسمائة مصاب آخرين منذ شهر، وأكدت القيادة المركزية للجيش الأمريكى أنها أكملت جولتها من الضربات باستهداف تسعين هدفا عسكريا إيرانيا، ضمت مواقع تخزين الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والبنية التحتية اللوجيستية العسكرية على طول الساحل الإيرانى والقدرات البحرية، وكذلك جسور للسكك الحديدية، وهو ما أكده ترمب حين صرح بأنه تم ضرب طهران بقوة، وأن القوات الأمريكية قد تسيطر على جزيرة خارك الإيرانية، وليعلن رسميًا انتهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار المؤقت واصفًا المذكرة الخاصة بالاتفاق بأنها قد أصبحت “في حكم الميتة”، وأن الضربات سوف تستمر حتى يقول هو “هذا كاف”، معلنًا فرض حصار بحري صارم على السفن والموانئ الإيرانية في هرمز، ومشيرًا إلى عدم قبول واشنطن بالعودة إلى طاولة المفاوضات، بل إنه اعتبر مضيق هرمزًا حقًا مكتسبًا وملكية أمريكية مفتوح أمام حركة جميع السفن باستثناء إيران.
تأتي هذه التطورات لتضرب عمليًا حالة التهدئة التي تشكلت بعد جهود إقليمية ودولية مكثفة، شاركت فيها أطراف عديدة سعت إلى احتواء الصدام المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، إدراكًا منها أن كلفة المواجهة لن تقتصر على البلدين، وإنما ستطال الشرق الأوسط بأكمله، بل والاقتصاد العالمي كذلك. غير أن الضربات الأخيرة وما تبعها من ردود متبادلة أعادت إنتاج مشهد التصعيد، وكأن لغة القوة استعادت مكانها على حساب لغة التفاوض، وكأن الرسائل العسكرية أصبحت مرة أخرى الوسيلة الأسرع لإدارة الخلافات السياسية، ولا تبدو واشنطن في وارد تقديم صورة الطرف المتراجع، فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي انطباع بالضعف قد ينعكس على نفوذها الإقليمي، كما تدرك أن استمرار الضغوط على إيران يمثل أحد عناصر استراتيجيتها في الشرق الأوسط، كما أن شن حرب شاملة كما يبدو من الخطاب الرسمي الأمريكي، ليس في صالح الولايات المتحدة، لأن توقف صادرات النفط عبر هرمز ينذر بكارثة اقتصادية كما عبر ترامب نفسه، وهو الذي دافع من قبل عن توقيع مذكرة التفاهم، حين قال إن وقف الحرب كان ضروريًا، ومخزونات النفط الأمريكية انخفضت عما قبل، بل أوشكت على النفاد، كذلك فإن القوات العسكرية تعاني نقصًا واضحًا في الذخائر، وكل ذلك في ظل تأزم بالوضع الداخلي، واقتراب موعد انتخابات التجديد، وفي المقابل لا تستطيع طهران تجاهل أي ضربة تستهدف مصالحها أو حلفاءها، لأن الامتناع عن الرد قد يفسر داخليًا وخارجيًا باعتباره تراجعًا عن معادلة الردع التي عملت على ترسيخها طوال سنوات. وهكذا يجد الطرفان نفسيهما داخل دائرة معقدة؛ فكل ضربة تستدعي ردًا، وكل رد يولد ضربة جديدة، بينما تتآكل تدريجيًا المساحات التي يمكن للدبلوماسية أن تتحرك داخلها.
الأخطر في المشهد الحالي أن التصعيد لا يتحرك داخل فراغ سياسي، بل في منطقة تعج بالأزمات المفتوحة. ويفيد تواتر الأخبار عن غزة بتجدد التصعيد والقصف والمجازر تجاه الفلسطينيين من قبل الكيان المحتل، وسقوط شهداء ومصابين كل يوم وعلى مدار الساعة، كما لا يزال لبنان يواجه أوضاعًا أمنية وسياسية شديدة الحساسية، والعراق وسوريا يشكلان مسرحين محتملين لأي رسائل متبادلة بين القوى المتصارعة، فيما تبقى مياه الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز نقاطًا شديدة الحساسية لأي تطور عسكري. ولذلك فإن أي خطأ في الحسابات، أو أي عملية تتجاوز حدود الرسائل المحدودة، قد تدفع المنطقة إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها.
ولم يكن الموقف الأوروبي بعيدًا عن هذا القلق. فالعواصم الأوروبية تدرك أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط ستكون له انعكاسات مباشرة على اقتصاداتها التي لم تتعافَ بصورة كاملة من آثار الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الماضية. ولذلك جاءت الدعوات الأوروبية مركزة على ضرورة ضبط النفس، والعودة إلى القنوات الدبلوماسية، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، ليس فقط حفاظًا على الأمن الإقليمي، وإنما أيضًا حماية للاقتصاد العالمي الذي أصبح شديد الحساسية تجاه أي اضطراب في مناطق إنتاج الطاقة أو طرق التجارة الدولية، ومن هنا يبرز العامل الاقتصادي بوصفه الوجه الآخر للحرب. فالأسواق العالمية لا تنتظر اندلاع حرب شاملة حتى تتفاعل، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر حتى تبدأ أسعار النفط في التحرك صعودًا، ويزداد الإقبال على الذهب باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات، بينما تتعرض أسواق الأسهم والعملات لموجات من القلق والتذبذب. كما أن أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر يعني عمليًا ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتأخير سلاسل الإمداد، بما ينعكس على أسعار السلع في مختلف أنحاء العالم، وليس الدولار بعيدًا عن هذه المعادلة؛ فالتوترات الجيوسياسية كثيرًا ما تدفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب محافظهم المالية، فتزداد التقلبات في أسواق العملات، بينما تتجه السيولة نحو الأصول الأكثر أمانًا. وقد يبقى الذهب الرابح التقليدي في مثل هذه اللحظات، حين يرتفع الطلب عليه كلما اتسعت مساحة الغموض السياسي والعسكري. ومع ذلك، فإن أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة ليس حجم الضربات المتبادلة في حد ذاته، وإنما سقوط الوهم القائل إن الاتفاقات وحدها قادرة على إنهاء أسباب الصراع. فالهدنة قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تزيل جذور الأزمة، والتفاهمات السياسية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تضمن عدم عودته إذا بقيت الملفات الجوهرية معلقة بلا حلول. ولذلك فإن المنطقة تبدو اليوم وكأنها تعود إلى نقطة البداية، حيث يتجاور التفاوض مع التصعيد، وتتحرك الوساطات بالتوازي مع العمليات العسكرية، فيما يظل السلام هدفًا مؤجلًا أكثر منه واقعًا مستقرًا.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أين يأخذنا تجدد هذا الصراع؟ الإجابة لا يملكها طرف واحد، لكنها ترتبط بقدرة القوى الكبرى والإقليمية على منع انتقال المواجهة من مرحلة الرسائل العسكرية المحدودة إلى مرحلة الحرب المفتوحة. فإذا نجحت الوساطات في استعادة زمام المبادرة، فقد يبقى التصعيد ضمن حدود يمكن احتواؤها. أما إذا استمرت الضربات في فرض إيقاعها على السياسة، فإن الشرق الأوسط قد يدخل دورة جديدة من عدم الاستقرار، تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، وربما إلى النظام الدولي بأسره. وعندها لن يكون السؤال عن المنتصر في الحرب، بل عن حجم الخسائر التي ستدفعها منطقة أنهكتها الصراعات، وما زالت تبحث، منذ عقود، عن سلام لا




















