الفنانة التي أحبت الشعب ،،والشعب أحبها
حكايتي وشيء من الذكريات مع فنانة الشعب الراحلة زينب ،،
بقلم د.عزيز جبرالساعدي
أمرأة تجاوزت الخمسين من العمر تذكرني ب نساء الجنوب وهي تقوم بواجب الضيافة لضيوفها(هله ومرحبه )وابتسامة تملء وجهها السومري الجميل ,وهكذا تعلقنا بها ونحن طلبة في اكاديمية الفنون الجميله وحضرنا لاول مرة الى فرقة المسرح الفني الحديث للانضمام الى نشاطهم المسرحي المميز انذاك في العراق اضافة الى بعض الفرق المسرحية الاهليه المنتشرة في العاصمة بغداد .
ظلت هذه السيدة صاحبة الابتسامة العريضه تراقبنا بين حين وأخر ولا تخلو مراقبتها لنا من الحديث التوعوي والتربوي واثارة الاسئلة لمعرفة أمكاناتنا والتنبه للحفاظ على تراث وقيم هذه الفرقة العريقه وضرورة الالتحام بالخطوط العريضة لخطاب الفرقة المسرحي .لانكم اولادها البرره
. نعم انها فنانة الشعب ((( زينب))) رحمها الله التي ظلت علاقتنا بها وبشقيقتها الرائعه كما الام والاخت والزميله .لكل شباب الفرقة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات.
, الراحلة الفنانة زينب واسمها الحقيقي
( فخرية اسعد عبد الكريم) إحدى أبرز شخصيات المسرح العراقي الحديث، والتي استحقت وبجدارة لقب فنانة الشعب العراقي بعد جهد طويل وحافل بالعطاء والابداع. وكانت البداية يوم سطع نجمها في سماء الفن العراقي في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي حيث مثلت دور فهيمة في فيلم (سعيد أفندي) للمخرج كاميران حسني، بعد ما تم اختيارها من بين عشر ممثلات تقدمن للاختبار لأداء هذا الدور.واعقبت ذلك بمسرحية (آني أمك يا شاكر) للفنان الراحل يوسف العاني، فكانت حديث الصحافة والاوساط الفنية والثقافية. وتالقت في فيلم (الحارس )ونفذت كلماتها إلى القلب وظلت محفورة في الذاكرة وكان حصادها الكثير من الاعجاب.
تقول السيدة فخرية عبد الكريم::: [في البداية وانا في خضم العناء الروحي والشتات النفسي وتغلب نزعاتي القوية بين كتابة الشعر والقصة والرواية, اتجهت ولكن برؤية واضحة نحو المسرح… هذا العالم الصاخب, عالم الخشبة المسحورة والتي شدتني بعمق الى ذراتها المتماسكة لأكوّن جزءاً منها, لصيقة بها, لان هذا المكان يشكل انسجاماً متناغماً مع انفاسي لأقول كلمتي الصادقة]
. وعن حياتها ومحيطها الذي نشأت فيه, تتحدث قائلة:
[بدأ احساسي بالحياة الحقيقية… عندما كنت طفلة في المدرسة الابتدائية ايام الحرب العالمية الثانية, كنت أرى قنابل الانكليز تحرق الاخضر واليابس في مدينة (الناصرية)…. من معسكرات الجيش الى الشوارع في المدينة, كنت أرى جموع الناس تهرب من نيران التهديد والتخريب الى الحقول والى الريف هرباً من القصف الجوي…. لكننا بقينا في المدينة لم نهرب, رفض الوالد الهرب, قائلاً ليكن ما يكون… وقتها شاهدت المجاعة ماذا تفعل… وكيف جاء أحد الفلاحين ليبيع أبنته الجميلة (بدينارين )ومن هنا تيقظت انسانيتي, وعندما لفني تيار الحركة الوطنية وأنا في سن السابعة عشر من العمر, لم يكن غريباً عليَّ ان اسير في خضم التيار الوطني الغاضب, فقد عشت فصول مأساة مرة منذ طفولتي وذقت طعم الجوع والحرمان ورأيت صنوف العدوان على ابناء شعبي… وعندما اكملت دراستي الثانوية ودخلت الجامعة وتخرجت منها لم أعش في الوظيفة سوى سنتين دراسيتين, ثم فصلت, وكان مجموع ما تعرضت له من الفصل السياسي نحو (11) سنة. ان الحركة الوطنية امدتني بالفعل الحقيقي لحياة انسان وعلمتني كيف احقق انسانيتي].
قبل أن تتجه للتمثيل كانت لها محاولات في كتابة الشعر، بل ونشرت بعضا من تلك الاشعار بأسماء مستعارة منها( زينب وسميرة الفقراء )وهذا ليس بمعزل عن (×)دراستها للغة العربية بجامعة بغداد في الخمسينيات . فضلا عن عملها مدرسة لسنوات عديدة قبل أن تتعرض للفصل السياسي بسبب مواقفها الوطنية، وهي التي تأثرت كثيرا بالأفكار التقدمية. وفي صبيحة ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 كانت زينب في مدينة الحلة وسارعت فور سماعها نبأ الثورة للخروج إلى الشارع. وعلى مقربة من احد مراكز الشرطة اعتلت عربة احد (باعة الشلغم )واعتمرت قبعة أحد الجنود أو الشرطة وراحت تهتف وتهزج للثورة. فتجمعن حولها النسوة وبدأ التجمع يكبر شيئا فشيئا في تحشد شعبي لا مثيل له جسد تأييد الناس للثورة.
وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ومع تصاعد حملات الاعتقال والملاحقات والمضايقات ضد الفنانين ،اضطرت الفنانة الراحلة إلى مغادرة الوطن ، لتحط في بلغاريا. ومنها سافرت إلى اليمن ، وعملت في وزارة الثقافة اليمنية، ونشطت في ميدان المسرح من جديد، وبادرت لتأسيس فرقة مسرحية بإسم فرقة مسرح الصداقة عام 1980 . وتولت رئاسة الفرقة التي كانت تضم في هيأتها الإدارية كلا من الفنانين: لطيف صالح، اسماعيل خليل، صلاح الصكر، أنوار البياتي، سلام الصكر، وصباح المندلاوي. وجميعهم من خريجي معهد واكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح.
وفي مطلع الثمانينيات انتقلت زينب إلى دمشق لتضع تجربتها وخبرتها تحت تصرف فرقة بابل المسرحية التابعة لرابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين، وأدت دور البطولة في مسرحية (قسمة والحلم) تأليف فائز الزبيدي واخراج سلام الصكر.
وفي مطلع التسعينات غادرت زينب دمشق متوجهة إلى السويد، ومن هناك واصلت عطاءاتها المسرحية وكان لها دور كبير في لم شمل الفنانين العراقيين، وقدمت أعمالا تليق بسمعة الفنان العراقي، وعبرت عن معاناته وعذاباته داخل الوطن وخارجه.ونشرت الكثير من المقالات والمتابعات في الصحف المحلية والعربية.وفي النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي أصيبت بمرض عضال، وفي 13 اب عام 1998 فارقت الحياة بعد ان تركت بصمة مؤثرة وفاعلة في سماء المسرح العراقي. ولن ينسى جمهورنا المسرحي يوم تألقت على خشبة المسرح في مسرحية النخلة والجيران للكاتب غائب طعمة فرمان واخراج قاسم محمد، وغيرها من الاعمال المتميزة.
رحمها الله واسكنها فسيح جنانه
(×) تم الاستفادة من المشرق ,للكاتب راشد خلوصي,
ومقال لفائز جواد ايضا .
د. عزيز جبر الساعدي / العراق




















