بين الدراما والتاريخ…
قراءة في تمثيل الذاكرة السياسية
حين تقترب الدراما من التاريخ، فإنها لا تدخل أرضًا محايدة، بل تمشي فوق ذاكرةٍ مثقلةٍ بالألم، والولاء، والانقسام. وهنا تبدأ الإشكالية: هل وظيفة العمل الفني أن يُدين؟ أم أن يُفسّر؟ أن يُبكي؟ أم أن يُضيء؟
في مسلسل اسمي حسن بدا واضحًا أن الكاميرا انحازت إلى الضحية، وقدّمت صورة مكثفة لبطش السلطة في زمن حكم صدام حسين، خصوصًا في أعقاب حادثة الدجيل. الألم حاضر، القسوة واضحة، والفضاء الدرامي مشبع بالخوف والترقب. لكن السؤال الذي يلحّ نقديًا هو: ماذا عن السياق؟ ماذا عن الفعل السياسي المقابل؟
التاريخ لا يتكوّن من جلادٍ وضحيةٍ فقط، بل من مشاريع متصارعة، وأفكار متناقضة، وتحالفاتٍ مؤقتة، وأخطاءٍ متبادلة. حين تُختزل المرحلة في مشهد القمع وحده، تتحول الدراما إلى بيان أخلاقي، لا إلى مساءلة تاريخية. وهذا لا ينفي حقها في الإدانة، لكنه يحدّ من قدرتها على الفهم المركّب.
العمل ركّز على أثر السلطة في الجسد الإنساني: الاعتقال، الخوف، التهديد، الانكسار. لكنه لم يمنح المساحة الكافية لتشريح البنية الفكرية للقوى التي تعرّضت للقمع، سواء من حيث رؤيتها الاجتماعية أو مشروعها السياسي. وهنا تتشكل فجوة بين التعاطف والمعرفة؛ فالمشاهد يتأثر، لكنه لا يملك أدوات الحكم الكامل.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدراما التاريخية هو التبسيط. فالتاريخ العراقي في تلك المرحلة كان ساحة صراع أيديولوجي عميق، تتقاطع فيه القومية واليسار والإسلام السياسي، وتتداخل فيه الحسابات الداخلية بالإقليمية. وعندما تُغيب هذه الجدلية، يتحول الحدث إلى لوحة أحادية اللون، مهما بلغت قوتها الفنية.
غير أن من الإنصاف القول إن الدراما ليست كتاب تاريخ، وليست مطالبة بسرد كل التفاصيل. إنها تختار زاويتها، وتبني عالمها وفق رؤيتها الجمالية. لكن كلما اقترب العمل من الذاكرة الجمعية، ازداد احتياجه إلى التوازن، لا بمعنى الحياد الأخلاقي، بل بمعنى الإحاطة الفكرية.
بين الدراما والتاريخ مسافة دقيقة:
التاريخ يسأل: لماذا حدث ما حدث؟
والدراما تسأل: كيف شعر الذين حدث لهم ما حدث؟
وحين تنجح الأعمال الكبرى، فإنها تجمع السؤالين معًا.




















