بقلم : حسين عصام
في العراق، البلد الذي ما زال يرمم شروخه الطائفية والاجتماعية، ويحسب كلماته قبل قراراته، يخرج علينا من يعتقد أن التطبيع مع الكيان الصهيوني مجرد “رأي” يُطرح بهدوء على طاولة السياسة، كأنه نقاش حول سعر صرف لا قضية تمس الذاكرة والدم والهوية.
البطريرك لويس ساكو دعا صراحةً إلى إقامة علاقات تطبيع مع الكيان الصهيوني، بل وتمنى أن تكون الحكومة العراقية المقبلة نقطة انطلاق لهذا المسار.
التصريح لم يكن ملتبسًا، ولم يُقتطع من سياقه، وقيل علنًا وأمام رئيس الوزراء.
هنا لا مجال للتأويل، ولا حاجة لخبراء تفكيك خطاب… الكلام واضح مثل وضوح الاستفزاز.
المشكلة لا تتعلق بحرية التعبير، فحرية الرأي قيمة دستورية محترمة.
لكنها تتحول إلى عبء وخطر عندما تُستخدم لتسويق مشروع مرفوض وطنيًا وشعبيًا، وعندما تُطرح كأنها خطوة طبيعية في بلد ما زال يعتبر الكيان الصهيوني كيانًا معاديًا، لا شريك سلام.
وهنا، وبسخرية مرة لكنها ضرورية، يبرز السؤال:
إذا كان التطبيع “حرية رأي”، فلماذا لا يُفتح باب “حرية الفعل” أيضًا؟
هنا كم كنيسة… ليش تخلونا نفلشهن ونسويهن حسينيات وجوامع؟
بالطبع، لا أحد عاقل يقبل بهذا الطرح، لأنه اعتداء فجّ على التعايش والدستور والهوية الدينية.
لكن جوهر الفكرة واحد: عندما يُكسر الخط الأحمر الأول، تنهار بقية الخطوط تباعًا.
اليوم تطبيع باسم السلام، غدًا مساس بالمقدسات باسم الأغلبية، وبعده فوضى باسم الواقعية السياسية.
الأكثر خطورة أن هذا الخطاب يُقدَّم أحيانًا تحت لافتة “حماية الأقليات”، بينما الواقع يقول العكس تمامًا.
التطبيع لا يحمي الأقليات، بل يحوّلها إلى هدف، ويضعها في مواجهة شارع غاضب، ويمنح المتطرفين ذريعة جاهزة للافتكاك بمن لا ذنب لهم.
التاريخ القريب في المنطقة مليء بالأمثلة:
كل خطوة تطبيع لم تجلب أمانًا، بل جلبت انقسامًا، وكل محاولة تسويق للكيان الصهيوني تحت أي عنوان انتهت بتآكل الثقة الداخلية قبل أي شيء آخر.
في علم الإدارة السياسية، هناك ما يُسمى إدارة المخاطر.
ودعوة كهذه، في هذا التوقيت، وفي هذا البلد، ليست مبادرة سلام، بل مخاطرة عالية الكلفة ومنخفضة العائد.
العائد صفر، والكلفة تمس السلم الأهلي.
الخلاصة واضحة ولا تحتاج تزيين:
التطبيع مع الكيان الصهيوني في العراق ليس رأيًا عابرًا، بل صدام مباشر مع الوعي الجمعي.
ومن يعتقد أن تمريره ممكن، إما يجهل طبيعة هذا البلد… أو يختبر صبره.
وفي الحالتين،
العراقيون يفهمون اللعبة،
والذاكرة العراقية ليست قصيرة،
والتاريخ… لا يوقّع على صكوك البراءة.




















