حينما يصرخ الشاعر او الأديب يصبح بركان يتفج
بقلم عزيز جبر الساعدي
،الشاعر حميد قاسم ،،بين سوداوية النظرة والقرار الصائب….
سوف يذهبُ هذا العراقُ إلى آخرِ المقبرةْ
سوف يدفنُ أبناءَهُ في البطائحِ ، جيلاً فجيلاً
ويمنحُ جلاّدَهُ المغفرةْ …
لن يعودَ العراقُ الـمُسَمّى
ولن تصدحَ القُبَّرةْ .
فامشِ إنْ شئتَ دهراً طويلاً
وادْعُ إنْ شِئتَ كلَّ ملائكةِ الكونِ
كلَّ شياطينِهِ ،
ادْعُ ثيرانَ آشورَ
عنقاءَ مُغْرِبةً …
ادْعُها
وانتظِرْ في دخانِ التهاويلِ
معجزةَ المبْخرةْ .
في قصيدته، يفتح الشاعر *حميد قاسم* نافذة قاتمة على واقع العراق، مستخدمًا نبرة سوداوية محمّلة بالخيبة والمرارة، لكنها لا تخلو من بصيرة وجرأة في اتخاذ القرار الشعري.
“سوف يذهب هذا العراق إلى آخر المقبرة”
الجملة الافتتاحية تحمل تشاؤمًا صريحًا، حيث يصوّر العراق ككائن يحتضر، يمضي إلى نهايته بلا أمل. هذه ليست مجرد استعارة، بل تشخيص لمآل بلد يراه الشاعر يتآكل بفعل الداخل لا الخارج.
“سوف يدفن أبناءه في البطائح جيلاً فجيلاً”
تصوير تراجيدي لبلد يستهلك أبناءه، في إشارة إلى الحروب، الفقر، والخذلان المتكرر. الموت هنا ليس لحظيًّا بل متوالٍ، من جيل إلى جيل.
“ويمنح جلاده المغفرة”
ذروة القسوة في هذا السطر، حيث يتهم الشاعر الضحية بمنح الجلاد العفو، وهو نقد قاسٍ للوعي الجمعي والاستسلام للأنظمة المتعاقبة التي لم تحفظ كرامة الإنسان.
*”لن يعود العراق المسمى / ولن تصدح القُبّرة”*
هنا يُعلن الشاعر موت الهوية وانطفاء رمز الحياة (القُبّرة رمز الطيور المغردة في العراق)، فالعراق الذي نعرفه “لن يعود”.
ثم ينتهي بـ دعوة ساخرة للأساطير والماورائيات:
“ادعُ ملائكة الكون… ادعُ شياطينه…”، وكأنّه يقول: حتى لو استنجدنا بكل القوى، لا معجزة قادرة على التغيير، “انتظر في دخان التهاويل معجزة المبخرة”، في سخرية مريرة من انتظار الخلاص بوسائل غيبية.
القصيدة تصرخ بمرارة المثقف العراقي المُثقل بالخذلان، لكنها رغم سُوداويتها تضع إصبعها على الجرح. لا تتوسل الأمل، لكنها بحدّتها تدعو إلى صحوة ما، ولو عبر الصدمة.
*بين سوداوية النظرة ووضوح القرار*، يقف حميد قاسم ناقدًا، شاهداً، ومتفجراً شعريًا بنبرة لا تتصنع الرضا، بل تواجه الحقيقة عارية.