العيد بين طيبة الأمس وانشغال اليوم
علي محمد جابر
ميسان ..صحيفة النهار
كان العيد في الزمن السابق أجمل بكثير، ليس لأن الحياة كانت خالية من التعب، بل لأن الناس كانت أقرب إلى بعضها، والقلوب كانت أبسط، والفرحة كانت حقيقية وتخرج من تفاصيل صغيرة لكنها عظيمة في معناها.
كانت ليلة العيد تحمل طقسًا خاصًا، حين تنشغل الأمهات والجدات بصناعة الكليجة، وتفوح تلك الرائحة الطيبة من البيوت، فتعلن أن العيد قد اقترب، وتمنح المكان دفئًا لا يشبهه شيء. كانت تلك الرائحة وحدها كفيلة أن تزرع الفرح في النفوس، وأن تصنع ذكرى تبقى عالقة في القلب مهما مرّ الزمن.
في صباح العيد، كان الناس يخرجون بوجوه بشوشة، يتبادلون السلام والتهاني، ويطرقون الأبواب بقلوب ملؤها المحبة.
كانت الزيارات أجمل من كل شيء، واللمة العائلية لها طعم لا يوصف، والعيدية حين توزع على الأطفال كانت تصنع فرحة كبيرة، لأن البركة كانت حاضرة، والبساطة كانت سيدة الموقف.
كان الناس رغم قلة الإمكانيات أكثر طيبة وأكثر أمانًا، وكانت العلاقات أوثق، والجيرة أقرب، والقلوب مفتوحة لبعضها.
أما اليوم، فقد تغيرت الدنيا كثيرًا، وتبدلت أحوال الناس، ولم يعد الأمان كما كان، ولا البساطة كما كانت، وانشغل الكثير من الشباب والعوائل بعالم الهاتف والفيس بوك والإنترنت، حتى أصبحت أغلب الساعات تذهب مع الشاشات أكثر مما تذهب مع الأهل والأحبة.
صار الواحد يجلس بين أهله، لكن قلبه وعينه مع الهاتف، وصارت بعض الزيارات أقل، والكلام أقل، واللمة لم تعد كما كانت في السابق.
كثير من التفاصيل الجميلة التي كانت تصنع روح العيد بدأت تخف، لا لأن العيد تغير، بل لأننا نحن تغيرنا، وأخذتنا الدنيا وانشغالاتها بعيدًا عن المعاني الحقيقية التي كان يحملها العيد.
ومع هذا كله، يبقى الأمل موجودًا أن نحافظ على ما تبقى من جمال تلك الأيام، وأن نعيد للعيد روحه الحقيقية، بالزيارة، وصلة الرحم، وتبادل السلام، والاهتمام بالأطفال، والجلوس مع الأهل بعيدًا عن ضجيج الهواتف ومشاغل الإنترنت.
فالعيد لا يكون جميلاً بالصور والمنشورات فقط، بل يكون أجمل حين نعيشه بقلوبنا، ونصنع منه ذكرى طيبة لمن حولنا.
رحم الله أيامًا كانت مليئة بالبركة والبساطة والصدق،
ورحم الله وجوهًا كانت تفرح بالعيد من القلب،
وحفظ الله ما تبقى من محبة بين الناس،
وجعل أعيادنا عامرة بالخير والرحمة واللمة الطيبة.
العيد يبقى عيدًا ما دامت فيه قلوب تتزاور، وأرواح تتصافى، وبيوت تفوح منها رائحة المحبة قبل رائحة الكليجة.




















